
سأقص عليكم حكاية العيد، عيد الأضحى المبارك، هذا العيد الذي نحتفل به نحن كما احتفل به الذين من قبلنا. لكننا نختلف عنهم بأننا لا نعرف أصل الحكاية. الناس يسمعون قصة إبراهيم أبو الأنبياء على مدارالعام، وفي كل عيد يرويها رجال الدين على المنابر وبوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ولكن بدون جدوى! لأنها مبتورة، ومبهمة و غير مقنعة وتبدو كأنها لا تستحق هذا الإبتهاج العظيم وأن نخصص لها أكبر أعيادنا. وهي في الحقيقة محطة مهمة جداً في تاريخ الأديان وتشكل صلة وصل أو حداً فاصلاً بين الوثنية القديمة من جهة والتوحيدية المعاصرة من جهةٍ أخرى رجال الدين لا يقولون كل شيء لضرورات الدعوة ولا يمكنهم التوغل في الماضي البعيد إلى ما قبل ظهور الأديان كي لا يقعوا في المحظور، وإن فعلوا فمن باب التثريب والتقريع وأحياناً الإستخفاف والسخرية. غيرهم من علماء التاريخ غير المكبلين بضوابط الدين خاضوا هذا الغمار وكشفوا لنا الكثير من الحقائق المغيبة التي تفسر لنا ما درجنا عليه من عادات لا نفقه منها إلاّ القليل |
كان في قديم الزمان منذ أكثر من أربعة آلاف عام في الجزيرة العربية إلهٌ يعبده الناس إسمه بَرَم، والبرمُ في لسان العرب هو الرجل الذي لا يجاري القوم ويبقى وحيداً. وكان مقامه في ذات مسك في تهامة عسير وهي قرية ما زالت قائمة إلى اليوم وبجوارها قريتي العذرا وشعب البرام والمسك هو الإمساك أي الحصر ومعناه بالعربية الإمتناع عن الجماع والعذرا من العذرية ومعناها الإمتناع عن الجماع أيضاً والبرم هو الإنعزال والوحدة كما أسلفنا
ومن عادة الشعوب القديمة أن تخصص إلهاً لكل ناحية من نواحي الحياة حسب احتياجاتها، فكان هناك إلهٌ للسمع وآخر للروئية وواحدٌ للخصب أو المطر أو الجبال أو الجنود إلى آخره ... ولا ضير عندهم لو فاق عددُ الآلهة عدد أيام السنة، وكان الإله برم مختصاً بالعقم وكان الناس يعبدونه لأنه كان يأخذ عنهم العقم ويخلصهم من انقطاع النسل إذا هم آمنوا به شرط أن يختتنوا أما هو فكان عقيماً لأنه افتداهم بنفسه، وهذه العقيدة تشبه إلى حدٍ كبير عقيدة المسيحية، فالمسيح يسوع يأخذ عمّن آمن به كل الشرور والآثام ويتألم عنهم وقد مات مصلوباً ليفتدي الناس، وضحى بنفسه لأجل خلاصهم
وفي ذات يوم ظهر الإله شدّاي رب الجبال للإله برم وعرض عليه صفقة مغرية وهو أن يخلّصه من عقمه شريطة أن يتخلى برم عن ألوهيته لصالح إله الجبال، ووعده بمضاعفة نسله حتى يفوق عدد حبات الرمال على أن يكون له ولذريته الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً من نهر مصريم إلى النهر الكبير نهر الفرات ونهر مصريم ليس نهر النيل بل هو مجرى وادي لية إلى الجنوب من جيزان، عند حدود اليمن، حيث ما زالت إلى اليوم قرية المصرم ونهر الفرات هو مجرى وادي أضم العظيم المنحدر من مرتفعات الطائف باتجاه البحر بين تهامة زهران ومنطقة الليث، حيث إلى اليوم قريتا الفرت وفرات
قَبِلَ بَرَمُ الصفقةَ بكل طيب خاطر، فكافأه ربُّ الجبال بتغيير إسمه من برم إلى أبرام، وأبرام هي أب رام أي الأب الأعلى أو الجد الأول لأبناء مرتفعات السراة في عسير،
أراد ربُّ الجبال أن يمتحن ابرام ويتأكد من حسن سير الإتفاق معه. ومن أنه بعد أن أبرم الصفقة وأصبح أباً ما زال يطيعه ويهابه، ولم يكن قبوله بالصفقة طمعاً فقط بالأبوة. فطلب منه أن يأخذ إبنه الوحيد إلى جبلٍ في أرض المريّا وأن يقدمه هناك كمحرقة. والمريّا الواردة في التوراة هي اليوم المروة من قرى رجال ألمع حيث مسرح القصة التي يرويها سفر التكوين. والتضحية بالإبن البكر رمياً بالنار شعيرة قديمة من شعائر عبادة الإله بعل عند الكنعانيين، وكان الفينيقيون يلقون بأبنائهم بالنار قرباناً للبعل وها هو شداي يأمر أبرام أن يلقي ولده البكر في النار! حارَ أبرام بأمره أول الأمر، إلاّ أن أصدقاءه الآلهة الآخرين تضامنوا معه وطلبوا منه أن ينفذ طلب إله الجبال ويكون في حلٍ من عهده معه ويعود إلى صفوفهم إلهاً مثلهم. يبدو أن أبرام استحسن فكرة التخلي عن إنسانيته والعودة إلى صفوف الآلهة. فأخذ الصبي إلى المكان المحدد، بل وجعله يحمل الحطب الذي كان أعده للمحرقة، بينما حمل هو النار والسكين. عندها سأل الصبي بكل براءة: أين الخروف للمحرقة يا أبتي؟ فأجابه أبوه بكلام فيه ما فيه من اللغز: الله سيوفر الخروف للمحرقة يا بُنيّ. وفي كلامه هذا إشارة واضحة إلى أنه ينتظر معجزة من ربه ومعلمه لإنقاذ إبنه من المصير المحتوم. ربما تذكر أنه هو نفسه كان محكوماً عليه بالإعدام في نار المحرقة وكان أبوه مع الذين أضرموا فيه النار، لكنه نجا بأعجوبة وكانت النار برداً وسلاماً على أبرام. فهل من معجزة تنقذ ابنه المشؤوم؟ ويبدو أن أبرام دخل في صراعٍ مع نفسه بين إنسانيته وألوهيته فمن الذي سينتصر
ووصل أبرام إلى المكان المحدد، فبنى مذبحاً ورتب عليه الحطب. ثم ربط ابنه وهمّ بالذبح ... أبرام كان يتمنى بل ينتظر أن يأتيه الرب بالخروف لأنه كان يعرف حاجة شداي له. وحاجة شداي كما سنرى هي إخصاب منطقة مرتفعات عسير التي يقوم بإدارتها شداي بصفته رب الجبال. أما شداي فكان يخشى أن يرجع أبرام إلى ألوهيته مدعوماً من بني الألهة على حد تعبيرالتوراة. وهنا ... وعلى طريقة الأفلام الأميركية وفي اللحظة المناسبة ... وقبل فوات الأوان حضر شداي وأحضر معه خروفاً لافتداء الصبي... وقال وهو خير الماكرين: لما تأكدت من ولائك وخوفك مني وأنك لم تمسك إبنك الوحيد عني عدلت عن الأمر وصفحت عن إبنك.. خذ يكفيني هذا الخروف! وكان بإمكانه أن يلغي الحفل من أساسه لكنه يبدو أنه مصرٌ على إضرام المحرقة والتلذذ برائحة الشواء مثل زميله يهو... وهنا لا ندري من الذي امتحن الآخر؟ الذي طلب التضحية بالصبي ليتأكد من ولاء أبرام له وكان له ما أراد... أم الذي عرف كيف يبطل ذبح ولده دون أن يعلن العصيان وكان له ما أراد أيضاً... وعلى كل حال فإن النتيجة التي انتهى اليها الإمتحان هي التعادل واحد للجميع. وعادت الإلفة بينهما وأصبحا صديقين واتخذ ربُّ الجبال أبرامَ خليلا
بعد هذا الإمتحان العسير على ذرى مرتفعات عسير غير الرب اسم أبرام وسماه أبا رهم والرهم عند العرب هو المطر الخفيف الذي يروي المرتفعات دون أن يجرف التربة. وانتقل أبو رهم أو إبراهيم من إله العقم إلى إله الخصب في خدمة إله الجبال. والجبال هي أساس الخصب فهي التي تحجز الرياح وتستمطر السحاب. ولهذا ربُّ الجبال له الإمرةُ على رب المطر
ودخل إبراهيم على زوجته سارة وهي إلهة مرتفعات السراة فأولدها يصحَك بالعبرية أي بالعربية القديمة يضحَك وبلغة قريش إسحَاق. ويضحك من الأسماء العربية القديمة التي تبتدئ بياء المضارعة مثل يوسف ويزيد ويحي ويسوع ... و ضحك بالعربية تفيد معنى الضحك المعروف وهو التعبير عن الإرتياح بانفراج الأسارير والقهقهة. لكن المعنى الأول الذي تعطيه القواميس العربية لهذا الجذر هو فيضان مياه البئر فيقال ضحك البئرُ أي فاضت مياهه، وما الضحك بمعنى القهقهة إلا فيضٌ من السرور والإنشراح. ويقال أيضاً ضحكت المرأةُ أي حاضت؛ وبه فسر بعضهم قوله تعالى: فضحكت فبشرناها بإسحق ومن الأسماء العربية القديمة الضحّاك وهي ليست بمعنى الرجل الذي يضحك كثيراً بل بمعنى الفيّاض أي الكريم والمعطاء
وهكذا يتضح السر في قصة إبراهيم وسارة وإبنهما إسحاق كما توردها التوراة: في البداية كانت مرتفعات السراة في عسير قاحلة لأن الإلهة سارة المختصة بها كانت عاقراً، ولم يكن هناك إلهٌ للمطر بعد، وكان زوجها إله العقم أبرام يمنع الخصوبة عنها، إلى أن جاء الإله شداي إله الجبال فأقنع أبرام أن يتحول إلى إله خصبٍ لكن تحت سلطته، يروي له الجبال دون أن يعبث بها ويجرف تربتها وسماه إبراهيم أي أبا المطر الخفيف. وما أن دخل إبراهيم على زوجته حتى حبلت منه من فرط قدرته على الإخصاب، فأولدها ما كانت السراة بأمس الحاجة إليه، وهو إله للآبار للمساعدة في ري أراضيها فولد إسحاق ربّ الآبار الضاحكة. وما زالت إلى اليوم آبار السراة تلعب دوراً مهماً في الزراعة هناك. ولإسماعيل أيضاً مقدرة على إنشاء الآبار فقد حفر بئر زمزم وهو بئر المسلمين المقدس، بضربةٍ واحدة من كعب رجله وهو بعدُ رضيعاً، وقام بإخصابِ وادٍ قاحلٍ غير ذي زرعٍ في مكة مثل ما فعل أبوه إبراهيم وأخصب مرتفعات السراة القاحلة في عسير
ويبدو أن الجداول هناك كان لها إلهٌ خاصٌ بها إسمه فراعة والفرع بالعربية يعني الجدول ومجرى الماء إلى العشب، ويقال أيضاً أفرعت المرأةُ أي حاضت. وما زالت هناك قرية بسراة عسير إسمها آل فراعة، وآل في الأصل بالعربية القديمة لا تعني عائلة بل إله وآل فراعة يعني الإله فراعة. ومن هنا جاءت تسمية فرعون مصر كما سنرى في بحثٍ آخر. ولم يأخذ ملوك مصر هذا اللقب إلا في أواخر أيامهم في عهدٍ متأخر جداً، كما سنرى في مقالنا عن موسى ويوسف ضمن سلسلة البحث عن إسرائيل كان أبراهيم من شدة إهتمامه بالخصوبة، لا يمنعها عن زوجته من أي جهةٍ أتت. فلما نزلا إلى أرض مصرايم، حيث الخصوبة تأتي عن طريق مياه الجداول، أوعز إبراهيم إلى زوجته سارة أن تتظاهر بأنها أخته، فتدخل مقام الإله فراعة هناك وتحاول إغراءه لمضاجعتها. وهكذا فعلت. وهذا النوع من النكاح كان معمولاً به في الجاهيلية ويسمى نكاح الإستبضاع. ذلك أن الرجل كان إذا أراد أن يكون له ولدٌ نجيبٌ أو شجاع، طلب من زوجته أن تذهب إلى من اشتهر بذلك لتستبضع منه، فإذا باضعها وعلقت منه، نُسِبَ الولدُ إلى زوجها
يتبع في الحلقة الثانية