مرحباً     عدلون     البلدية     تاريخ عدلون     مقالات     بين الأرض والإنسان     خواطر وأشعار     مراسلات     وجوه من عدلون     أصدقاء عدلون     منوّعات     قصص من الواقع     في بلاد الإغتراب     أخبار عدلون     تلفزيون عدلون     مساهمات     فن الزيتون في عدلون     لوحات فنية     دردشة     wassef      
اللغة العربية وأخواتها
قومٌ فقدوا عيدهم
صناعة الفتن
غداً تقول عدلون كلمتها
أفحكم الجاهلية يبغون؟ 1
أفحكم الجاهلية يبغون؟ 2
أفحكم الجاهلية يبغون؟ 3
أفحكم الجاهلية يبغون؟ 4
حكاية العيد 1
حكاية العيد 2
رمضان كريم
البحث عن يسوع 1
البحث عن يسوع 2
البحث عن يسوع 3
البحث عن يسوع 4
البحث عن يسوع 5
البحث عن يسوع 6
البحث عن يسوع 7
البحث عن يسوع 8
البحث عن يسوع 9
الأب لامنس مخترع لبنان
زمن ما بعد الحداثة
حاج حسن أبكرت الرحيلا
هنيئاً لشعب لبنان العظيم
الدين أفيون الشعوب
حديث خرافة
أمانا أيها القمر
كل عام وانتم بخير 0
كل عام وانتم بخير
أنا ومهدي
هي ثكلى الكلمات
إلى جنات الخلد يا والدي ا

                         زمن ما بعد الحداثة

 

في العصور القديمة، منذ آلاف السنين كان الإنسان، من أجل بقائه، يجاهد ما استطاع في بيئةٍ معادية وطبيعةٍ لا ترحم. ولأنه لم يكن يعرف تفسيراً للظواهر والكوارث من حوله فقد تصور أن هناك قوىً خفية تدير هذا العالم تغضب حيناً وترضى أحيانا، عليه أن لا يعاديها ويخفض لها جناح الذل، ويقدم لها الطاعة العمياء والذبائح والأضاحي. وهكذا ولدت الأديان فعبد الإنسان الشمس والقمر والأشجار والصخور والأنهار... وشيئاً فشيئاً بدأ الإنسان يفك ألغاز الطبيعة ففهم كيف يحدث الرعد وأنه ليس صوت الآلهة، وعرف كيف يتكون قوس قزح فأقلع عن عبادته، وأدرك ظاهرتي الكسوف والخسوف فلم يعد يتوسل الآلهة أن تنقذه من شرها، واستطاع أن يطبب نفسه من أمراضٍ كانت مستعصية وكان يظن أن أرواحاً شريرة زرعتها بجسمه لتعاقبه، لكنه في النهاية عرف أن لكل داءٍ دواء وراحت الأرواح تختفي شيئاً فشيئاً. وبدأت الأديان تتطور مع الإنسان إلى ما يريح النفس البشرية ويطمئنها، فصارت الأديان تقلل من التهديد والترهيب وتعد أكثر بالرحمة والغفران وتدعو إلى مكارم الأخلاق. وكان كلما تقدمت العلوم والمعارف انحسر الجهل وضاقت السبل على الكائنات الخفية من جنٍ وعفاريت وعلى الطفيليين من مشعوذين ودجالين. وحقق الإنسان قفزات نوعية هائلة جعلته يسيطر على قوى الطبيعة وثرواتها بالإتكال على مقدراته فقط

وفي القرون القليلة الماضية مرت المجتمعات البشرية بنهضة علمية وصناعية وثقافية غير مسبوقة، وكانت العقلانية سيدة الموقف وتضاءل التعامل بالتفكير الديني أو الخرافات والخزعبلات، كان للتكنولوجيا دورها الكبير في ذلك العصر المنير حيث لمس الإنسان فوائدها العظيمة في تحسين حياته. ثم ما لبس أن تسارع التطور وأصبحت التكنولوجيا عصية على الفهم فعاد الإنسان، في هذا الوقت وفي هذه المرحلة المسماة ما بعد الحداثة، إلى البحث عن الغموض والسحر والدين مرةً أخرى

 لقد أصبح التطور التكنولوجي في غاية التعقيد، والأمثلة واضحة في الأنترنت التي نستخدمها كل يوم والموبيلات والساتيلات و ... أشياء باتت صعبة حتى على الإنسان المثقف. على عكس الماضي، فتكنولوجيا المحرك البخاري والترانزيستور التي طبعت القرن الماضي كانت معقولة، وكان بإمكاننا تصليح السيارة أو المسجلة بأنفسنا أما اليوم فإذا فتحت محرك بي أم دبليو فلن تفهم شيئاً من طريقة عمل المحرّك فالكمبيوتر يتحكم فيه كلياً، حتى مشغلي هذه التقنيات لا يفهمون منها شيئاً

 العماد ميشال عون مزهواً ووراءه اللواء عصام أبو جمرة يشهدان في المتحف عام 1982 على مصافحة تاريخية بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي بعد أربعة أشهر من إجتياح لبنان ومحاصرة بيروت والمجازر الجماعية... لكننا لا نعرف شربوهم شاي أم قهوة؟

وهكذا في كل مجالات الحياة العامة التعقيد والإلتباس هو السمة الغالبة، ففي فرنسا مثلاً انعدم الفرق اليوم، بين اليسار واليمين وأصبح الزعماء اليساريون يطبقون سياسات يمينية والعكس صحيح. وفي لبنان ليس من السهل أبداً أن تفهم طريقة عمل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وسياساته الإستعراضية ولك أن تتخيل الدوار الذي يصيب محازبيه ومؤيديه وهم يدورون معه كيفما دار ويميلون كيفما مال ذات اليمين وذات الشمال وليس لديهم حتى الوقت لأن يتأففوا أو يتساءلوا عن جدوى هذا العبث، ولا يمكنك كذلك أن تعرف ما إذا كان ميشال عون وطنياً صادقاً يضاهي نجاح واكيم أم مارونياً متزمتاً يضارب على سمير جعجع، والذين يعيبون على جنبلاط تأرجحه لا يعلمون أن عون كان موالياً لصدام حسين يتلقى الدعم منه ثم أصبح موالياً لإيران يتلقى الدعم منها.. من النقيض إلى النقيض... وشن حرب تحرير ضد سوريا وهو الآن من الطامعين بخطب ودها... من النقيض إلى النقيض! ويختلط عليك الأمر في شأن الطائفة السنية في زمن الحريري الثاني وهي التي كانت على مدى تاريخها تحمل لواء العروبة ضد الخصوصية اللبنانية وما زال أبناؤها يلوكون عباراتها وشعاراتها الرنانة، وها هي الآن أصبحت إنعزالية تدعو إلى اللبننة الخالصة أكثر من إتيان صقر أبو أرز. والأحجية الكبرى هو حزب الله كيف يكون مقاوماً في لبنان يحارب إسرائيل ومن ورائها أميركا ويؤيد الحكومة التي نصبها الإحتلال الأميركي في العراق؟ وإذا تأكدت المعلومات المنشورة هذه الأيام في الصحف الغربية التي تشيع عن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد من أنه من أصل يهودي إعتنقت عائلته الإسلام وهو في سن الرابعة على حد زعمها يكون التعقيد قد وصل أوجه 

الشيء وضده يجتمعان في كل مناحي الحياة العصرية ففي الإعلام مثلاً، قنوات الميوعة والتعري المبتذل وأغاني ال هِشِّكْ بِشِّكْ الهابطة مدعومة من السعودية وقنوات السلفية والأصولية والتزمت الديني مدعومة أيضاً من السعودية فكيف يعقل هذا؟ لا شيء واضح ولا شيء مريح حتى إذا ذهبت إلى السينما لتشاهد فيلماً يريحك قليلاً من أعباء الحياة اليومية الرتيبة فتجده أكثر رتابة من حياتك، قصته مبهمة ومعقدة تجعلك تترحم على يوسف شاهين وأسلوبه الصعب الممتنع

ويمكنني أن أملأ صفحات مطوّلة عن وعورة الحياة العصرية على الناس العاديين وارتفاع مستوى التجريد الذهني في كل ما نتناوله وما نتعرض له في حياتنا اليومية ما يجعل أصحاب القدرات المتوسطة والمحدودة يبحثون عن حلولٍ بسيطة لمشاكل معقدة ولا يجدون إلا الدين. نعم الدين يعطي أجوبة بسيطة وسريعة لكل الأسئلة التي قد تطرأ على بالنا، وهناك جواب واحد لكل الأسئلة فإذا سألتَ مثلاً من أين جاء الكون؟ فيقولون الله خلقه، وكيف أصبح فلان ميسوراً؟ الجواب الله رزقه، وفلان كيف مات؟ الله لم يكتب له عمراً!  ولماذا نحن متخلفون؟هذا عقابٌ من الله ! وكيف انتصرنا؟ النصر من عند الله! ومتى سنتقدم؟ عندما يفرّجها الله علينا! و كيف صار ذلك الشيء؟ الله فعل ذلك الشيء! الأجوبة كلها جاهزة ومعلبة ولا تتطلب مجهوداً كي نفهمها وهي ترضي تقريباً جميع الناس والدين بالحقيقة ليس هكذا وليست هذه تعاليمه ولكنها السهولة  هي التي أقعدتهم عن بذل المجهود وهي التي جعلتهم متخلفين عن ركب الحضارة ينتظرون أن يفرجها اللهُ عليهم وأن يكفيهم شر البحث والتنقيب وطلب العلم والتقدم والرقي... هذه هي الصحوة الدينية التي يتحدثون عنها في هذا الزمن العجيب، زمن ما بعد الحداثة

 

عدلون الأرض والإنسان

باريس في 5/10/2009