كل عام وأنتم بخير
لقد حال الحول ودارت السنة دورتها وعدنا إلى نقطة البداية، بداية العام الجديد فكل عام وانتم بخير. تعددت الأعياد بتعدد المذاهب والأقوام لكن هذا العيد للجميع، العالم كله يحتفل به وليس للمسيحية به كبيرُ شأن، فالمسيح لم يولد في هذا اليوم كما أنه لم يولد في الخامس والعشرين من كانون الأول أي عيد الميلاد الذي كان بالأصل عيداً وثنياً يصادف غداة الإنقلاب الشتوي أقصر يوم في السنة. كانت تحتفل به روما على أساس أنه ، حسب دينها القديم، يوم انتصار الخير على الشر وانتصار النور على الظلام، اليوم الذي يبدأ فيه النهار يطول والليل يقصر ولما اعتنقت روما المسيحية وانتقلت من دينها القديم إلى دين يسوع بن مريم نقلت معها الكثير من عاداتها القديمة وأولها الأعياد والتماثيل والأيقونات والتقويم الشمسي الذي يسمونه اليوم ميلادي وليس له من الميلاد إلا الإسم. نترك المسيح الآن ولكنا لن نهمله فسنمهله فقط لمقالٍ آخر ونعود إلى عيدنا الأممي عيد رأس السنة الذي استطاع أن يوحد الأمم وهو العيد الوثني والوثنية لا تعرف التوحيد لكنه أنجز ما لم تستطعه الأديان السماوية القائمة على فكرة التوحيد والتي لم تفلح إلا بزرع الفتن والتفرقة والكآبة خلافاً لما تدّعيه فاليهود لهم عيدهم المسمى راش هاشنا ولو قلبنا الشين سين واستبدلنا ها الوسطى بأل التعريف، لأن ها هي أداة التعريف بالعبرية، لعرفنا أنه رأس السنة العبرية الذي يصادف في أيلول من كل سنة، أي رأس السنة الدراسية كما نعتبر نحن اليوم، ويدّعي اليهود أن في هذا التاريخ أتمّ اللهُ خلق آدم وهو تاريخٌ لا يقره التاريخ ولا المنطق فهو خرافي لأننا لو صدقنا تقويمهم فنحن الآن في سنة 5768 ولو قرأنا كتبهم وحسبنا أعمار أنبيائهم من آدم ألف سنة و نوح تسعماية وخمسين سنة ... إلى آخرهم لتبين أن أنبيائهم عاشوا أكثر من تاريخهم علماً أننا منذ أكثر من ألفي سنة لم يخرج الينا نبيٌ يهودي واحد. وراس هالسنا لا يمكن أن يجمع الناس لأنه فقط لليهود وهذا الدين كما هو معروف غير تبشيري أي لا يحق لغير اليهود الدخول باليهودية وبالتالي الإحتفال به فهو إذاً عيدٌ مُغلق. أما نحن المسلمون فرأسُ سنتنا الهجرية هو الأوّل من محرم وهو يصادف أول أيام عاشوراء، اليوم الذي اختاره الحسين بن علي للتوجه إلى الكوفة والإنقلاب على السلطة القائمة أنذاك واسترداد الخلافة حسب الإتفاق الذي جرى بين الحسن ومعاوية والذي ينص على أن الخلافة يتنازل الحسن عنها لمعاوية على أن تعود للحسين بعد معاوية لكن هذا الأخير أوصى بها لإبنه يزيد مما جعل الحسين، بتشجيع من أهل الكوفة، يخرج على يزيد وهكذا كانت واقعة الطف المشؤومة. المهم أنّ رأس السنة عندنا إنقلبت إلى كربٍ وبلاء ومنذ ذلك الحين والمسلمون الشيعة يستقبلون سنتهم بالبكاء والعويل والضرب على الصدور ومنهم من يتخطى ذلك إلى أعمال أشبه ما تكون بالوثنية مما جعل بعض علمائهم الأجلاء يستنكرها وينهى عنها. ما أردت أن أقوله هو أنّ الحقيقة مغيّبة المسيحيون لا يعرفون ميلاد ربهم يسوع فقاموا بالإستيلاء على عيدٍ وثني وجعلوه عيداً لهم، هم يعرفون هذه الحقيقة ولكنهم يخفونها. أما اليهود الذين جمعوا في كتبهم كل خرافات الشرق القديم يعلمون حق العلم والمعرفة أن أرقامهم متضاربة وعاداتهم وتقاليدهم مضى عليها تاريخ الإستعمال منذ قرون وما زالوا يتشبثون بها ويعظمونها ويقدسونها كل التقديس. أما نحن فنقرأ على أجيالنا كل سنة عشرة أيام سيرة الحسين بكل التفاصيل إلا أننا نتجاهل مع معرفتنا الأكيدة أهم حدث أدى إلى تلك الفاجعة وهو مبايعة الحسن لمعاوية في عام الجماعة وهو الإمام المعصوم علماً أنه كان الخليفة الشرعي المعترف به لكل المسلمين وكان على رأس جيشٍ كبيرٍ يمكنه لو شاء، إتّباع سياسة أبيه رحمه الله و محاربة معاوية وكل الخارجين على الدين والحسين كان على علمٍ بهذا ورضي بما فعله الحسن ولم يخرج وقتها على بني أمية... نتوقف هنا ولا داعٍ للمزيد فالآن لا يسعنا إلا أن نقول رحمة الله على الحسين وعلى آل الحسين وعلى الذي مات من أجله الحسين. الأديان ممكن أن تدعي ما تشاء إلى ما تشاء ولكن الحقيقة مجردة وظاهرة ولا يمكن طمسها ومن أرادها فهي بمتناوله، نعود للعيد ونتمنى للجميع عاما سعيدا ونجاحاً وراحةً وهناء بعيداً عن البكاء والنحيب والخرافة والتقديس الأعمى. ومرةً أخرى، كل عام وأنتم بخير
باريس في 1 كانون الأول 2009
عدلون الأرض والإنسان