لم يستطع «عبد الرحيم» أن يحبس دموعه وهو يستعرض شريط حياته السابقة. فالرجل اعتاد على الحياة السهلة الميسورة، قبل أن ينتهي به المطاف إلى بائع متجول، محروم من رؤية أبنائه. ولولا بعض الدراهم التي يجنيها من جولاته طيلة يوم شاق من العمل، وقليل مما يجود به كرم بعض

معارفه، لما استطاع مواصلة رحلة حياة كلها عذاب. عندما هاجر«عبد الرحيم» في شبابه إلى الديار الإيطالية، لم يكن يعرف أن القدر يخبئ له هذه النهاية. فبعد أن كان يعيش حياة هنيئة، وإن لم تكن سعيدة بالشكل الذي تمناه، إلا أنه كان يجد الاستقرار في حضن زوجته وابنه الصغير. بدأت حياة «عبد الرحيم» تعرف منعطفا جديدا، بعد زيارة شقيقة صديقه خلال عطلة هذه الأخيرة السنوية، وخلال المدة التي قضتها في بيته ووسط أفراد عائلته، لم يخطر بباله يوما أن شقيقة صديقه التي أتت لقضاء بعض الوقت في بلاد المهجر، يمكن أن تصبح زوجته في يوم من الأيام
استقبلت أسرة «عبد الرحيم» ذات يوم شقيقة صديقه التي أتت لقضاء بضعة أيام في إيطاليا. وقد نزلت المرأة كضيفة مرحب بها، ولم يبخل عليها كل أفراد الأسرة بتكريس الكثير من وقتهم ومجهودهم حتى تنعم بعطلة جميلة. كانوا كرماء إلى الحد الذي لم تتصوره الضيفة، وقد زاد من كرمهم الإحساس بالغربة الذي تبدده أحيانا زيارات الأقارب والمعارف وإن كانوا بعيدين
نزلت الضيفة، طيلة الفترة التي قضتها ببيت «عبد الرحيم»، مكرمة ومحببة على قلوبهم جميعا، وقد عملت زوجة «عبد الرحيم» بكل إمكاناتها على توفير الراحة لها وكل ما تحتاجه على امتداد الأيام التي قضتها ببيتهم. وحتى بعد أن انقضت العطلة وعادت إلى بلدها وبيتها، لم تنقطع الاتصالات بين الطرفين، إلى أن توفي والد «عبد الرحيم»، ليضطر هذا الأخير للعودة إلى أرض الوطن، وهناك ستبدأ رحلة أخرى
من الصدف أن صديقة العائلة القديمة كانت تشتغل بالمحاماة، مما جعل «عبد الرحيم» يتصل بها لتصفية بعض المشاكل المتعلقة بالإرث الذي خلفه والده. وهناك توطدت العلاقة بين الإثنين، ليجد «عبد الرحيم» نفسه يطلق زوجته التي تركها بإيطاليا رفقة ابنه الوحيد، ويتزوج من ضيفته السابقة. بعد إلحاح من الزوجة الثانية عاد «عبد الرحيم» ليعيش في بلده الأصلي، وهناك وجد نفسه عاطلا عن العمل، مما اضطره لصرف «البركة» التي تركها الوالد. لم يبخل على أسرته الجديدة بكل ما يملك، فالرجل كان يصرف بيمينه وشماله، يرتاد رفقة عائلته الصغيرة أفخر مطاعم المدينة، ويسافر لقضاء عطلته الصيفية، ولما بدأت الدخيرة تنفذ، وجد الزوجان نفسيهما يواجهان سلسلة من المشاكل زادت من حدتها عطالة الزوج، وعدم تمكنه من الحصول على عمل مستقر يضمن له ولأسرته العيش الكريم. أما الزوجة فقد ضاقت به ذرعا، ولم تتحمل أن تصرف على زوج عاطل عن العمل
بعد زواج دام سنوات وأسفر عن ولادة طفلين من الزوجة الثانية، كان مصير زواج «عبد الرحيم» الفشل من جديد. لكن هذه المرة، سيلفظه حضن العائلة إلى الشارع، دون مصدر رزق. فبعد أن كان يعيش حياة مستقرة وهنيئة رفقة زوجته المحامية وابنيه، أصبح يبيت في العراء. وحتى أشقاؤه تنكروا له، بل إن بعضهم اتهمه بالاستهتار لأنه ترك زوجته الأولى ومشى خلف امرأة أوصلته إلى الضياع والتشرد
يعترف «عبد الرحيم» أنه مسؤول عن الوضع الذي وصل إليه، لكن تنكر أقربائه له يؤلمه كثيرا، خصوصا ابنه البكر الذي زاره «عبد الرحيم» مؤخرا في بيته وعامله بجفاء، ومع ذلك فإن أباه يلتمس له كل العذر، ويدرك جيدا أنه المسؤول المباشر عن الموقف الذي اتخذه ابنه أنه تخلى عنه وأمه وهو طفل، وتزوج من امرأة أخرى
لم يعد ينتظر«عبد الرحيم» من الدنيا إلا حقه في رؤية فلذتي كبده من زوجته الثانية التي يقول إنها تمنعه من رؤيتهما، لكونه متشرد بدون مأوى، كما أن شكله وهندامه لا يليق بالمستوى الذي يعيشان فيه مع أمهما. فهي محامية لها مكتبها الخاص وزبناؤها، في حين هو ضائع يبيع السجائر بالتقسيط ويضطر أغلب الوقت للمبيت في العراء. بعينين دامعتين يؤكد «عبد الرحيم» أنه كلما ذهب لرؤية ولديه، طلبت منه طليقته أن يرتدي هنداما لائقا بزياراته المزعجة وهو يقول «من أين لي أن أشتري طقم وكرافات وأنا البائع الجوّال».
في اتصال هاتفي بطليقة «عبد الرحيم» قالت لصديقه إنه لم يسبق لها أن حرمته من رؤية ابنيه، كما صرحت ابنته نفسها أن والدها يزورهم من وقت لآخر، وأنها وشقيقها يقضيان معه اليوم كله أحيانا، مضيفة أن أمها تحثهما على رؤيته باستمرار. وأضافت الأم (...) أنه لا يكف عن ملاحقتها طوال الوقت سواء عبر الهاتف أو في المحاكم، ويبذل قصارى جهده لتشويه صورتها، كما صرحت أنها عاشت بجانبه حياة كلها معاناة مضيفة أنها لم تعد تذكر ترتيبها بالضبط وسط زوجاته السابقات