مرحباً     عدلون     تاريخ عدلون     بين الأرض والإنسان     خواطر وأشعار     مراسلات     وجوه من عدلون     ذكريات     أصدقاء عدلون     منوّعات     قصص من الواقع     النوادي     في بلاد الإغتراب     أخبار عدلون     تلفزيون عدلون     فن وإبداع      
رد اعتبار
يا فرحة ما تمّت
عمر بن أبي ربيعة
الزير سليم وليلى
رُبّ أخٍ لك تحسبُ لم تلده
الغيرة والحماقة
وإذا الموؤودُ سُئِلَ
لأنها كانت ثيباً
ونِعْمَ الخطيبُ
عاشق مجنون
الخادمة العاشقة
إغتصاب
أيهنّ؟ .. فهنّ كُثْرُ
الشيخ العاشق
الجسد و الكلمات
البنت وأمها و ... أبوها
الخيانة العظمى
الحب بالقوّة
عصفورين بسكينٍ واحد
قناص يقتنصُ الفرصة
أنا أو لا أحد
 
الجسد و الكلمات
 
لغة الجسد

تقف نوال القادمة من مدينتها الصغيرة صحبة والدتها في الطابور الطويل أمام المستشفى الرئيسي بالعاصمة في انتظار الدخول لزيارة طبيبها بعد سلسلة من الحصص العلاجية من مرض السرطان تسبب لها في هزال شديد وتساقط كامل للشعر نتيجة طبيعة الأدوية التي كانت تتناولها. انهارت أحلامها فجأة، واتخذت حياتها مسارا آخر وهي التي كانت واثقة من التأثير الساحر الذي تمارسه على الآخرين خاصة منهم الرجال، وأولهم زوجها السابق الذي فضل  الانفصال وإنهاء الحلقة التي كانت تربطهما خلال مرحلة الدراسة وأثناء الزواج
 
   بدأت قصة نوال، بعد أن قرر والدها الذي حصل على تعويض عن حادثة سير أن يتحمل تكاليف التحاقها بأحد المعاهد الخاصة لتدبير المقاولات بالعاصمة. طموح العائلة كان أكبر من قدرات نوال ومؤهلاتها الفكرية والعلمية التي واجهتها صعوبات في الدراسة، وعجزت عن مسايرة إيقاع المحاضرات واستيعاب مضمون المواد. تغيرت دوافعها، وعوض أن تراهن على النجاح وتحقيق طموح العائلة ظلت تتظاهر أمام زميلاتها باللامبالاة تجاه تحقيق أمنية الأسرة وتصرح أن دخولها إلى المعهد ماهو إلا مجرد جسر عبور للدخول إلى القفص الذهبي وفق مقاييس وشروط حول الشخص الذي ستقترن به في المستقبل، خاصة وأن عودتها إلى عائلتها دون الحصول على الشهادة العليا، لن تكون محط ترحيب، أمام التضحيات التي بذلها والدها في ضمان مصاريف دراستها الباهظة. انتبهت في غفلة من زميلاتها إلى أن أستاذها في مادة العلاقات العامة، يطاردها بنظراته، وينتبه إلى حركاتها داخل الفصل الدراسي. كان شخصا تجاوزت شهرته مجال عمله، بدليل أنه كان يحظى بتقدير معين لدى الطلبة بالمعهد وخارجه، ورغم أنه ليس من النوع الذي يغري أية فتاة، من حيث السن، والتفكير والشكل إلا أن مركزه وقدرته على إبهار الآخرين، كان العنصر الخفي الذي يدفع الغير للتقرب منه، واستمالته، ولم لا العودة به كزوج، وتقديمه إلى العائلة
 
 اختلفت الدوافع والمحددات النفسية والعاطفية لنوال تجاه الرجل الذي تود الارتباط به، مقارنة مع زميلاتها في الفصل. فهذا الأخير كان يبدو بطلعته وقوامه وأسلوبه الكلاسيكي في التعامل شخصا صارما، يــحاول إظــهار قدر من الجدية سواء في علاقــاته مع الآخرين، أو الإلتزام في العمل أثناء إلقاء الدرس. غير أن هذه الصرامة كانت تنهار تماما أمام نوال التي اهتدت إلى حيل متعددة أثناء الحصص التطبيقية، وتعمدت بعد أن أخبرتها إحدى العاملات في الإدارة بنوعية الملابس والألوان وتسريحة الشعر التي كان يفضلها في النساء اللواتي يعجب بهن إلى تغيير شكلها وصفاتها
 
 كان غير قادر، رغم الحرج الذي كان يسببه له ذلك، على اقتحام عالم نوال التي استطاعت أن تجعله يرضـخ ويتخلص من الجدية لتي كان يتميز بها داخل المعهد. هل لجوؤها الى الحيلة وتكليف نفسها ارتداء ألبسة والظهور بمظهر غير ذلك الذي كانت تتمناه هو شعور بالضعف لإقناع الآخر أم إدراك مبكر لمفعول الإغراء الذي يمكن أن تحدثه هذه التفاصيل في حياة الرجل الذي اعترف لها فيما بعد أن سبب إعجابه بها يعود إلى التطابق بين رغباته والشكل الذي ظهرت به في حسن اختيارها للملابس والألوان التي يفضلها؟ وهي تتحرك داخل قاعة الدرس، كانت معتزة بجمالها، ترى فيه جزءا من هويتها والمعبر الحقيقي عن الرسائل المشفرة التي ترغب في إرسالها إليه، حيث بدأ وقعها يظهر شيئا فشيئا ليستسلم بعد مدة غير قصيرة لحيلها التي أجبرته على طلب يدها. دور الضحية يصعب في كثير من الأحيان الوقوف عند الدلالات الخفية لسحر الجسد الأنثوي، في تفكير عينة من النساء اللواتي يحرصن على توظيفه لتحقيق أغراض محددة كاستمالة الرجل وبناء بيت الزوجية والسعي بكافة الوسائل للمحافظة عليه ضمن بوتقة من التعاقدات المشتركة بين كلا الطرفين، ومن الممكن أن تترجم هذه التشابكات في شكل علاقة غير متوازنة ينتج عنها إخلال طرف بالتزاماته كما توضح حالة نوال التي تخلى عنها زوجها بعد أن فقدت مقومات حيلها «الجسدية» لإرضاء نزواته، نتيجة المرض الذي أذاب جمالها
 
في البدء كانت الكلمة
 
 تقدم حالة فاطمة المستخدمة بإحدى شركات النسيج صورة مغايرة، بالرغم من القاسم المشترك بين الحالتين كون كل واحدة منهما كانت تتطلع إلى الفوز بقلب رجل من محيط عملها، ولم لا الارتباط به. فاطمة من النساء اللواتي يتقن اختراع الحيل، واتقان فن الحديث رغم شكلها العادي، الذي قد لا يثير انتباه الرجال المحيطين بها سواء في العمل أو بالشارع حيث لازمتها قناعة منذ مرحلة المراهقة، أن الــرهان على الجمال في إثارة الآخر ( الرجل) عمــلية غير ناجعة بالـنظر إلى تواضع مقومات الجمال الأنثوي لديها. يسميها زملاؤها المرأة ذات اللسان اللعوب، فهي القادمة من ضواحي المدينة  للعمل في قطاع النسيج، تمكنت من تحقيق ما عجزت الأخريات في المعمل عن تحقيقه رغم أنها حديثة الالتحاق بالشركة، وتمكنت من استمالة أحد المسؤولين عن مراقبة العمال الذي تقدم لخطبتها أمام دهشة الجميع. تعترف أمام العاملات بأنه عوض أن تمارس الإغراء بواسطة الجسد ومفعوله غير العادي في ذهنية الرجل عموما، فإن حيلها التي تمارسها يوميا في العمل لا تنتهي، إلى درجة أنها تحولت إلى ظاهرة وسط العمال، ليس لجرأتها فقط، ولكن للأدوار التي لا تتعب من ابتداعها. ونظرا للضغوطات اليومية التي كان المسؤول يواجهها في تنظيم العمل ومواجهة العمال والعاملات، كانت فاطمة التي تراقبه من بعيد، تبرر سلوكاته وممارساته حتى غير المشروعة، كان ذلك يريحه كثيرا، ويمنحه ثقة كبيرة في علاقتي بها  وسيلتها في ذلك رغم أنها لم تتجاوز ربيعها العشرين، حرصها على ترديد اسمه، وتمجيد دوره، واللعب بالألفاظ، وتقليد طريقة تعامله مع الآخرين، في توجيه الأوامر. والتعابير ذات المعاني الموغلة في قواميس من الثقافة الشعبية والواقع اليومي لفاطمة دفعت عددا من زملائها لأن يتراجعوا، ودون سابق إنذار، عن محاولاتهم للاحتجاج أو المواجهة المفتوحة. أسلوب الإغراء اللفظي، ليس له حدود، وهي لازمة، تحفظها فاطمة جيدا بدءا من تحية الصباح التي تحرص على أن يكون المسؤول أول من يسمعها إلى تقديم مطالب العمال، كان يثق بها ثقة عمياء، ويبحث عنها داخل ردهات العمل، في حالة عدم حضورها إليه في الصباح. لكن ما يثير الانتباه في حالتها أنها لاتتردد أمامه في تمثيل دورالضحية سواء فيما يتعلق بالأمور المرتبطة بأسرتها أو بوضعها داخل الشركة، حيث تجد نفسها محاطة بعناية المسؤول واهتمامه، بل وسخائه المادي. أمام رضوخ هذا الأخير لا تتردد فاطمة في إبداع الحيل الممزوجة بالأكاذيب، وتغليف الحقائق، تساعدها روحها الخفيفة، واستعدادها للإبقاء على محاورها أكبر وقت ممكن، وهي خاصية كانت العاملات الأخريات يحسدنها عليها، ويتابعن «فنونها». تمكنت فاطمة أخيرا من تبوء موقع المسؤولية داخل الشركة، بفضل خطيبها، الذي رضخ لذكائها، وإمكانياتها في الإقناع وحضوره الدائم بين تفاصيل حياتها ما بين البيت والعمل، لدليل قاطع على فرط الذكاء الذي تتمع به والذي قادها دونا عن بقية العاملات خاصة الجميلات منهن إلى بناء أسرة، بالرغم من أن الفروق والتفاوت المهني بين الطرفـــين كان واضحا منذ البـداية، والعبارات التي رددتها العاملات بعد حدث الزواج بين الاثنين «إنها المرأة الحقيقية التي امتلكت الحيلة للإيقاع بالمسؤول من بين كل الجميلات بالشركة».