ترعرعت سعاد مع شقيقها “أحمد” في كنف والديهما، في بيت متواضع من الطين، شهد أجمل أيام حياتها، وعند بلوغها سن السابعة توفيت والدتها بعد مرض عضال، ليحتضنها الأب وشقيقها. ولم يقبل الأب الزواج والإتيان بزوجة تذيق الطفلين المر، إلى أن توفي ليترك سعاد في رعاية أخيها أحمد الذي أصبح شابا يافعا ورجل البيت الذي يعتمد عليه. عند بلوغه الثلاثين عاما، قرر أحمد الزواج وتكوين أسرة، رزق بعد سنتين بتوأم” ياسين” و” فرح” أدخلا الفرح على البيت الصغير، وحظيا بكل اهتمام من طرف

الأب والأم والعمة. كانت سعاد تحاول المساعدة في الحقل ولا تتوانى عن القيام بأشغال البيت والاهتمام ببعض الأغنام التي كانوا يتوفرون عليها... كانت سعاد تحاول إرضاء الأخ وزوجته اعترافا له بجميله، وتحاول المساعدة قدر الاستطاعة في تربية الأطفال
تعرفت سعاد أثناء توجهها في أحد الأيام للسوق الأسبوعي على “فريد”، شاب من نفس القرية، كان يتتبع خطواتها إلى أن استطاع اعتراض طريقها، وبلباقة استطاع استمالة قلبها لأول وهلة. كان طويل القامة، أسود الشعر، ذا سحنة سمراء، في عقده الثالث. فتنت به سعاد التي كانت على قدر لا بأس به من الجمال، فقد كانت ممشوقة القد، سمراء اللون بفعل تعرضها لأشعة الشمس، إلا أنها كانت ذات جاذبية خاصة وجمال هادئ. طلب منها فريد بعد وصولهما للسوق الأسبوعي أن يراها مرة أخرى فقبلت. كثرت اللقاءات بينهما وبدأ قلب سعاد ينجذب إلى “ فارس أحلامها”، فقد كان يحدثها عن المستقبل موعزا لها برغبته في التقدم لطلب يدها، بعد توفير الإمكانيات المادية لذلك، فقد كان يعمل في العاصمة في إحدى شركات النسيج. وثقت سعاد بكلامه المعسول، إلى أن سلمته نفسها في إحدى لحظات “ضعفها” أثناء تواعدهما في الحقل بعيدا عن الأعين، وارتكبت “غلطة” عمرها. عادت ذلك اليوم بقلب حزين نادمة على ما حصل بينهما، وكتمت سرها وهي تتمنى أن يفي فريد بوعده.
اعتادت سعاد لقاء فريد كلما سنحت لهما الفرصة بذلك، سيما يوم السوق الأسبوعي، وفي كل لقاء لم تكن تعي أن تأخرها في العودة يثير انتباه شقيقها وشكه. في ذلك المشؤوم، تغيبت سعاد دون مبرر” السوق”. كانت من عادة شقيقها أحمد أن يقضي بعض الوقت في المقهى الوحيد بالقرية صحبة بعض أصدقائه، بعد تعب يوم كامل في الحقل خاصة في فصل الصيف حيث يحلو السمر والحديث الطويل، عند دخول سعاد البيت مسرعة، فوجئت بشقيقها يعترض طريقها لغرفتها ويسألها عن سبب تغيبها طيلة يوم كامل، أخبرته بزيارتها لأهل زوجته، لم تعلم أن زوجته كانت بعلم من زوجها عند أهلها طيلة اليوم، فما كان من أحمد إلا الذهاب للتحري، فيما دخلت سعاد غرفتها وهي ترتجف من الهلع ولم تعرف وجهة أخيها. توجست أمرا لكنها لم تع ما هو. عاد أحمد بعد نصف ساعة من خروجه من المنزل، فقد ذهب عند أهل زوجته، فأخبروه بأنهم لم يروا سعاد منذ مدة. لم يقبل بعودة زوجته وأطفاله للمنزل تلك الليلة بحجة أن الوقت متأخر. ولج الدار وهو يشتط غضبا كالوحش الثائر، بلعاب يسيل وعين محمرة، فقد تأكد مما سمعه من بعض الأفواه التي كانت تهمس بأن شقيقته شوهدت عدة مرات واقفة تتحدث مع فريد خارج القرية، شك في الأمر لكنه لم يكن يتصور أن يكون ما سمعه حقيقة، فقد اعتادت بعض الألسن على إطلاق إشاعات على سكان القرية، ولم يصدق أن تلك الفتاة الخجولة والعاملة المجدة قد تخفي شيئا عنه، حتى لاحظ مؤخرا تغيبها المتكرر ولساعات طوال
لقد كانت “ سعاد” تحاول كل مرة إقناع فريد بضرورة التقدم لطلب يدها من شقيقها، وكل مرة كان يتحجج بحجج واهية، فظل يماطلها... إلى أن برزت أول علامات الحمل عليها، وتنصل الشاب من المسؤولية
خطط أحمد لفعلته التي اختار لها موعدا في ساعة مبكرة من صباح اليوم الموالي. لم ينم تلك الليلة تقاذفته أمواج الشكوك والوساوس حيال ما سمعه، وصمم في نفسه على غسل العار والانتقام لاسم أبيه وشرف العائلة. هب أحمد من فراشه واتجه نحو المطبخ باحثا عن سكين يفي بالغرض. وجده متوسطا يستعمل في الطبخ، واتجه صوب أخته. دلف الغرفة في حين كانت سعاد تغط في نوم عميق لم تشعر باقترابه حتى دنا من وجهها. استفاقت مذعورة عند رؤية السكين مرفوعا في يد شقيقها. لم يمهلها الفرصة للصراخ أو استعطافه باغتها بتمرير السكين على عنقها، فما هدأت ناره إلا وهو يرى الدماء تتدفق من شريانها، بعد أن صادر حقها في الحياة، و"غسل عاره" بذبحها كما تذبح الشاة من الوريد إلى الوريد. سلم أحمد نفسه في اليوم نفسه للدرك، أما أخته، فتم نقلها جثة هامدة إلى مركز التشريح الطبي، وأفاد تقريره أن وراء الحادث جريمتين، لأن الضحية كانت حاملا، وأن لعنة الموت اخترقت ظلمة البطن كذلك لتقطع نفس جنين في شهره الخامس. فقد كانت المأساة عصية على التحمل. لقد رحلت الفتاة وحَمْلُها إلى دار البقاء، فيما رحل شقيقها إلى عتمة السجن