ولد أحمد بقرية نائية من قرى الجنوب، وهناك نشأ مع أقرانه من أبناء هذه القرية معزولين عن كل ما يجري في العالم الخارجي بحكم تضاريس المنطقة الجبلية الوعرة. تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة القرية المجاورة لقريته، وانتقل ليتمم تعليمه بإحدى الثانويات بأقرب مدينة إلا أنه سرعان ما انقطع عن الدراسة ليتفرغ لمساعدة والديه في شؤون الزراعة ورعي الماشية فهو آخر العنقود الذي راهنت عليه الأسرة لقيادة شؤون البيت . فتح هذا المراهق عينيه على ما يحيط به كأنه يكتشف الحياة لأول مرة فوجد بجواره الفتاة فوزية بنت القرية التي اختزل فيها كل أحلامه وآماله، وعاينها وهي تكبر بجواره، أحبها إلى غاية الجنون وقاسمته نفس العواطف فظلّا يسترقان بعض اللحظات للحديث وبناء الأحلام الوردية بعيدا عن أعين المتلصصين، واتفق المراهقان على الزواج وبناء أسرة، وكانا جد

مستعجلين ليريا أحلامهما تتجسد على أرض الواقع، ولأجل ذلك اتفقا على بدء الإجراءات الأولية المتعارف عليها التي تسبق تكوين أي عش أسري
كان كل شيء يسير داخل أسرة أحمد على أحسن ما يرام، إلا أن دخول المراهقة فوزية في حياة هذا المزارع سيؤثر على سير العلاقة بين الابن والأسرة، فقد أصر على أن تتوجه أسرته لخطبتها وعقد قرانه بها قصد الزواج في أقرب وقت ممكن، وكان يلح على ذلك رغم أن والديه ظلا يطالبانه بالتريث إلى غاية الاستعداد جيدا لتكاليف الزواج المادية. وأمام إلحاح الفتى المتيم اقتنت الأسرة لوازم الخطبة من السوق الأسبوعي، وارتدت بعض الثياب ثم توجهت لخطبة ملهمته. كان العشيقان في قمة فرحهما وهما يترقبان اجتماع الأسرتين للتداول في شأن زواجهما، ووضع برنامج زمني يحدد بموجبه التوقيت الذي سيلتئم فيه شملهما، فقد اتفقا على كل شيء يهم حياتهما الزوجية، إلا أن كل الأحلام قد اصطدمت بعدم رغبة أسرة البنت في مصاهرة هذه الأسرة بدعوى أنها غير مستعدة بعد لتزويج بنتها، وأنها مازالت صغيرة عن الزواج، وعادت الأسرة الخاطبة خائبة، وطلبت من الإبن أن ينسى إلى الأبد الاقتران بتلك الفتاة بعد رفض والديها اللذين لم يأخذا بعين الاعتبار علاقات الجوار ولم يعيرا للمودة السابقة أية قيمة، وهو ما رفضه هذا المتيم جملة وتفصيلا كما رفض كل الفتيات اللواتي اقترحت عليه الأسرة التوجه لطلب يدهن. هجر النوم جفونه، فانبرى للبحث عن كل الحلول الممكنة لكي تصبح ملهمته زوجة له على سنة الله ورسوله وقد علم من الفتاة أن عوزه المادي كان وراء رفضه، فكرس وقته للعمل المضني قصد تدارك النواقص التي بنى عليها الرافضون قرارهم ... وبينما هو منهمك في العمل الدؤوب في أوراش البناء لتحصيل النقود وبناء شخصيته وتجاوز الأسباب التي أدت لرفضه جاءه الخبر المدمر فقد تقدم خطيب جديد طالبا يد الفتاة فقبلت أسرتها على التو طلبه وشرع في مباشرة إجراءات الزواج. اضطرب أحمد وشعر بالمهانة وبالدنيا تضيق حوله بما رحبت، فقد شل الخبر الذي سرى بين أهالي القرية حركته فتوقف عن العمل وذبلت جذوته، وظل حبيس البيت لا يقوى على شيء لبضعة أيام أمضاها في التأمل فيما يجب فعله للوقوف ضد هذا الزواج وتعطيله مهما كلفه الأمر . ظل هذا الفتى المولع تائها بين زوايا القرية يترصد ظهور الفتاة، وهو ما تنبهت له أسرتها فاتخذت قرار تحجيبها بالبيت، ولم يستسغ كيف لم تدافع الحبيبة عن حبها الأول واستسلمت لقرار زواجها من رجل قادم على التو من بعيد، ولم يستسغ كذلك كيف تخلت عن كل الأحلام التي شيداها معا، وكان يبحث عنها في كل وقت وحين ليطرح عليها هذه الأسئلة، ولم يتأت له ذلك إلا بعد أن غادر أبوها القرية متجها لمكة قصد أداء فريضة الحج، وفي صباح ذات يوم على الساعة السابعة والنصف صباحا رمقها وقد خرجت للتزود بالماء من مجرى الساقية، فجرى للتو نحوها. استقبلت الفتاة بهدوء حبيبها الذي فرقت بينها وبينه القرارات الأبوية الصارمة، ولامها بعنف على التفريط فيه مطالبا منها أن تثور ضد قرار زواجها من هذا الخطيب الدخيل، كما طالب منها أن تغادر معه البلدة قصد العيش معا أينما شاءت، لكن كل محاولاته باءت بالفشل، عندما أكدت له على أنها لن تعصى قرار والديها أو ترفض من ارتضياه لها زوجا، كما رفضت الخروج من البلدة والإقدام على أي قرار لن يرضى عنه الوالدان وبالمقابل تمنت له مستقبلا زاهرا وأن يعوضه الله بأحسن منها
لم يستسغ أحمد كلام ملهمته، وود لو انشقت الأرض لتبتلعه وفي حركة غير محسوبة منه وغير منتظرة من عشيقته استل من تحت ملابسه سكينا، فهوى به على عنقها بطعنة خارت معها قواها، وأردف لها طعنات متتالية في أنحاء متفرقة من جسمها، وفارقت معها الحياة، ثم فر هاربا لا يدري أين يسير ولا أين هو ذاهب إلى أن بلغ القرية المجاورة، ثم توجه نحو سائق سيارة أجرة، وأشار عليه ليحمله في رحلة خاصة للمدينة التي تبعد بحوالي عشرين كيلومترا عن القرية. وقبل الساعة التاسعة صباحا كان السائق قد بلغ بالجاني

مبتغاه، وطلب منه أداء ثمن الرحلة فاعتذر لكونه لا يحمل نقودا معه فخيره بين أداء واجب الرحلة أو قيادته نحو الدرك، عندها أجابه المراهق بأنه أتى لهذا المكان خصيصا لتقديم نفسه للدرك بعد ارتكابه لجريمة قتل حبيبته، وذعر سائق السيارة لما سمعه خلال ذلك الصباح خصوصا وأن بقع الدماء شاهدة على ما يشهد به على نفسه، فأخلى سبيله وتابعه بعينه حتى دخل لمركز الدرك. وبمجرد دخوله راع منظره رجال الدرك خصوصا أنه سلم نفسه، وصرح بتفاصيل جريمته والأسباب التي دفعته لارتكابها بكل تلقائية، ولم يصدق رجال الدرك رواية المبلغ عن نفسه إلا بعد أن حمل الهاتف خبرا يؤكد تصريحات الجاني، فاستمع الدرك إليه ودونوا محضر اعترافاته وتلي عليه فوافق على كل ما جاء به ووقع عليه، وقد رفض أن يرافقه دركيان فقط لإعادة تمثيل الجريمة، حيث وقعت، بدعوى أن سكان القرية سيقتلونه انتقاما لفعلته. أعيد تمثيل الجريمة في نفس اليوم في محفل رهيب استهجنه سكان القرية، وقد أغلق المحضر وأحيل المتهم على الغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف ستشرع في مقاضاته