وإذا الموؤودُ سُئِلَ
ربما حديثي عن فصول جريمة في ذاكرتي كرجل أمن يدفعني إلى الحديث عن بعض المعطيات التي استنتجتها من خلال معاينتي لإحدى الجرائم التي ذهب ضحيتها جنين وهو في أولى ساعات حياته منذ خروجه إلى هذه الدنيا، بهذه العبارات استهل أحد رجال الدرك حديثه عن قصة لا زالت فصولها راسخة في ذاكرته، فمنذ الصغر وأنا مولع بمعرفة بعض التقاليد والعادات التي تزخر بها العديد من المناطق النائية، وبحلولي بمدينة اغرم
التابعة لإقليم تارودانت بحكم ممارسة عملي، وجدت نفسي أعيش بين أحضان أناس كرماء يحبون الخير للجميع، وكما هو متعارف عليه فإن كل منطقة لها خصوصياتها ولها أعرافها وتقاليدها المتجذرة، وهنا أثار انتباهي تشبث جل سكان القُرى المحسوبة على بلدية اغرم بالافتخار وتقديس ما يطلق عليه ظاهرة "صقر" بين الشباب والصبايا وهي اللقاءات التي تتوج في معظمها بربط علاقة زوجية محضة بــمباركة الآبــاء و تكون وسيــلة للزواج بحيــث أن نهايتها بين الطرفيــن المتحابين فــي أغلــب الأحيان تؤول إلى دخول عــش الــزوجية، وكانت الأمور تسير بين الجميع بشكل عادي جدا، إلا أنه وفي أحد الأيام خاصة في حدود الثامنة صبــاحا توصلت إلى جــانب عناصر الدرك بالمدينة بخبر مفاده أن مجموعة من الأطفال وفي طريقهم إلى المدرسة، اكتشفوا جثة جنين وقد نهشتها الكلاب ولم يبق منها إلا الرأس والذراع، وعلى وجه السرعة وكما هو معتاد وروتيني في مثل هذه الحالات، انتقلنا إلى عين المكان وفعلا وجــدنا ما تبقــى من جــثة جنين حديث الولادة وهــو عبارة عــن رأس وذراع، وعلى إثر ذلك قمنا بتمشيط المنطقة عسى أن نجد خيطا رفيعا يفك لغز الجريمة التي ذهب ضحيتها جنين بريء، وأول خطوة قامت بها عناصر الــدرك بعــد الإجـراءات الأوليــة وإحالــة ما تبقــى من الجثة على الطبــيب المختــص في التــشريح بالمركز الاستشفائي الإقــليــمي، هو الاستماع إلى بعض سكان الأحياء المجاورة للمقبرة وبخاصة النساء منهم، وذلك من أجل معرفة أي من النسوة كانت حبلى أو عرف عنها أنها كانت كذلك، وأجمع جميع المصرحين في النازلة عن وجود إحداهن في مرحلة الوضع، ومن خلال ما تم التقاطه في شأن النازلة، تم الاستماع إلى المعنية بالأمر في محضر قانوني لم تتوان في الاعتراف بكونـها فعـلا أنجبت صبيا ذكرا غير شرعي، وذلك على إثر علاقة غرامية مع أحد الأشخاص الذي تعـرفت عــليه عن طريق ظاهـرة "صقر"، وتعلقها دفعها إلى الخلوة به كلما سمحت الظروف بــذلك، وخاصة أثناء غياب الأب والأم عن المنزل في مدينة الدار البيضاء، تهورها هذا جعلها تقع في مصيدة خليلها مدة من الزمن، وكانت دائما حريصة على ألا يظهر حملها لأي أحد كان بخاصة أفراد أسرتها خوفا من الفضيحة وكانت تعمد لإخفاء ذلك إلى ارتداء ملابس فضفاضة، وبقيت على هذا الحال منذ شهرها الرابع إلى أن وصلت فترة المخاض، وفي يــوم الوضع والــذي صادف غياب الأب والأم كما هو معــتاد، دخلت إلــى إحدى الغرف بمسكنها وأمسكت بعصا حديدية كانت معلقة بسقف الغرفة، فوضعت حملها بطريقة طبيعية وهي واقفة، خرج الجنين من رحمها وارتطم رأسه مع الأرض ليلفظ على اثر العملية أنفاسه الأخيرة، وبعد أن أخذت قسطا من الراحة، سارعت إلى إنهاء العملية بقطع الحبل السري، ثم قامت بوضع الجنين داخل قماش منتظرة بذلك وصول العشيق لمساعدتها في حل مشكل التخلص من الجثة بطريقة سرية، وفعلا كانت الخطة ناجحة، فبعد مهاتفة الشريك، حضر دون أن يكون على دراية بالمشكل التي حشر فيه بطريقة أو بأخرى، حضور الخليل إلى عين المكان تلبية لنداء المتهمة، دفعه إلى الإسراع بتنفيذ خطة التخلص من جثة الجنين، وفعلا وفي فجر اليوم التالي وبينما لا زال الهدوء يخيم على المكان، توجه شريكها في الجريمة نحو مقبرة لا تبعد عن الدوار إلا ببعض الأمتار، وهناك قام بحفر حفرة في حجم الجنين، وبطريقة تختلف عن التعاليم الدينية، قام بدفن الجثة التي لم تجد الكلاب الضالة بدا من الوصول إليها ونهشها إذ لم يبق منها إلا الرأس والذراع، وبعد هذه الاعترافات التي اعتبرناها بمثابة إشارة لفك لغز الجريمة، كثفنا دوريتنا من اجل إيقاف المتهم الثاني والاستماع إليه في ما نسب إليه، وفعلا تم العثور عليه، وتم الاستماع إليه هو الآخر في محضر قانوني، قبل إحالته على الوكيل العام بمحكمة الاستئناف باكادير إلى جانب المتهمة الأولى في القضية، وجاءت اعترافاته متطابقة لما صرحت به المتهمة، بحيث أقر واعترف بالعلاقة غير الشرعية التي كانت تجمع بينهما، مضيفا كونه كان عازما على الدخول بها على سنة الله ورسوله، إلا أن أخاه الأكبر كان دائما يرفض ذلك الزواج بدعوى أن عائلة المتهمة فقيرة، ولتعلقه بها كان يمارس معها الجنــس بعيــدا عــن الأنظار، وفي يوم وقوع الجريمة توصل بمكالمة هاتفــية مــن المعنــية بالأمــر، لم تشر فيــها عشيقته إلى الأسباب التي بموجبها طلبت منه الحضور لبيتها بصفة استعجالية، اللهم إخباره بوجودها داخل المسكن بمفردها، ولما وصل إلى بيت المتهمة، أخبرته بفضيحتها، مخافة أن يفتضح أمرهما لدى الخاص والعام خصوصا أنه الأب الأصلي للجنين، شاطرها الرأي في إخفاء الجثــة خوفا من العواقب، حينها اقترح عليها أن يقوم بعملية دفــن الجثة فــي فجــر اليوم الموالي، وفعلا تأتى له ذلك مستعملا آلة حديدية، وبعـــد دفن الجثة توجه إلى مدينة أولاد تايمة، بقي هناك إلى أن افتضح أمر الجريمة، وبعد الانتهاء من الإجراءات، أحيل المتهمان على الوكيل العام بمحكمة الاستئناف باكادير الذي أحال الملف بدوره على قاضي التحقيق من أجل تعميق البحث وإحالة الاظناء على غرفة الجنايات للمحاكمة