|
|
دولت ابيض ارستقراطية السينما والمسرح
|
دولت أبيض هي الفنانة الكبيرة والعظيمة التي شاركت زوجها جورج ابيض رحلة الحياة والكفاح المرير في المسرح وعلى مسرح الحياة نفسها، اشتهرت في السينما المصرية بأداء دور الأم القاسية أو الحماة التي تسوم زوج ابنتها أو زوجة ابنها سوء العذاب، وكان مظهرها الارستقراطي يؤهلها للقيام بهذه الأدوار وايضا دور الزوجة المتسلطة. كانت قادرة على أن تقدم هذه الأدوار على الشاشة بإتقان كامل، ساعدها على ذلك مرونة في الجسم ووجه معبر فيه من القسمات الأوروبية الكثير وقد ورثت هذه الصفات والسمة من أمها ذات الأصول الروسية أما والدها حبيب بطرس قصبجي فهو من أسيوط وقيل انه من أصل لبناني وولدت ابنته دولت في عروس الصعيد في يوم 29 كانون الثاني (يناير) سنة 1894 وانتقل والدها وهي في سن الطفولة الى الخرطوم عاصمة السودان حيث كان يعمل مترجما بوزارة الحربية. في مدرسة الراهبات وفي الخرطوم، التحقت دولت حبيب بمدرسة الراهبات هناك حيث تلقت دروسا في الفرنسية وفي الدين على مذهبها الكاثوليكي المسيحي، ومن الطبيعي ان تتقن الطفلة دولت الفرنسية خاصة وأن مدارس الراهبات في الخرطوم كانت تابعة للأرساليات الفرنسية ومعرفة الفرنسية تقود بالضرورة الى قراءة الأدب الفرنسي ومعرفة الحركة المسرحية هناك والإطلاع على عيون المسرحيات التي كتبها رواد الكلاسيكية الجديدة مثل راسين وكورناي وغيرهما، من هنا عشقت دولت المسرح وداومت على مشاهدته وكان يقدمه المسرح المصري في بداياته. عزيز عيد، اكتشفها لم تكن دولت أبيض تفكر يوما في أن تكون ممثلة وان كانت عاشقة للمسرح، لكن الصدفة لعبت دورا أساسيا في أن تصبح النجمة دولت قصبجي. فقد حضرت حفل عرس ابنة خالتها على أحد أقارب عزيز عيد الذي لفتت الفتاة الحلوة، قريبة العروس نظره بجمال وجهها ومرونة جسمها وملامحها التي تجمع بين جمال الشرق الروحي وجمال الغرب في 'حلاوة' الوجه، فصاح كما صاح ديوجين، وجدتها، وجدتها وقال لها، لم تخلقي إلا لتكوني نجمة في المسرح، وأقنعها وأقنع أهلها بأن تكون ممثلة رغم انها من عائلة محافظة لكن ثقتهم في عزيز عيد جعلتهم يوافقون خاصة وأن هناك صلة نسب بينهم وبينه. في المسرح بدأت دولت أبيض حياتها مع عزيز عيد في الفرقة التي كونها سنة 1917 فقدمها في مسرحية 'خللي بالك من اميلي' وهي من اشهر مسرحيات، الفودفيل، الفرنسي ومن تأليف واحد من اشهر كتاب فرنسا، وهو جورج فيدو الذي ترجم له عزيز عيد ونجيب الريحاني وبديع خيري عشرات الأعمال المسرحية وقاموا بتمصيرها، نجحت دولت ابيض في هذا العمل وفي عمل آخر هو 'الكونتيسة' وبعد عدة أعمال مع مكتشفها عزيز عيد انتقلت الى فرقة نجيب الريحاني حيث شاركت في عدة أعمال. مع جورج أبيض شاهدها ملك التراجيديا في ذلك الوقت جورج ابيض فوجد فيها ضالته كممثلة تصلح لأداء الأدوار الصعبة في كلاسيكيات المسرح، فكان ان ضمها الى فرقته سنة 1918. قدمت دولت أبيض مع جورج مسرحية 'أوديب ملكا'، وقامت بأصعب دور وهو جوكاستا وهو دور مركب صعب يحتاج الى قدرات تمثيلية هائلة مع قدر من الهيبة التي تمتاز بها الملكات التاريخية، وكان نجاح دولت في هذا الدور هو جواز المرور لها لتكون بعد ذلك أقدر ممثلة تقوم بدور الملكات أو سيدات المجتمع الارستقراطي أو سيدة البيت الهانم المتسلطة سواء على زوجها أو على من يحيط بها من خدم وحشم. تنقلت فنانتنا في اكثر من فرقة مسرحية بعد ذلك، وكان اكبر نجاح لها بعد عملها مع عزيز عيد، دورها الخالد في مسرحية 'شهر زاد' التي قدمتها مع فرقة سيد درويش كما استعان بها نجيب الريحاني في احدى المسرحيات واشتركت معه في عدة أعمال ناجحة منها، ريا وسكينة التي نالت شهرة كبيرة في ذلك الوقت خاصة وأن حادث الأخوتين 'ريا وسكينة' كان حديث عهد وشبه معاصر لكتابة هذه المسرحية، وكان قتل الفتيات على أيدي ريا وسكينة، في عشرينات القرن الماضي قد أشاع الرعب في الشارع المصري، فانتهز نجيب الريحاني شهرة الأخوتين في الإجرام وقدم هذه المسرحية وفيها قدمت دولت ابيض دور فتاة ثرية وجميلة كانت احدى الضحايا، ونالت تعاطفا كبيرا من المشاهدين. زواج في سنة 1923 تم زواجها من الفنان الكبير جورج ابيض فغيرت اسمها من دولت قصبجي الى ابيض وهو لقب زوجها وكونا ثنائيا في البيت والمسرح، وعندما كون يوسف وهبي فرقة 'رمسيس'، كان جورج ابيض شريكا له فانضمت بالطبع دولت للفرقة، وازدهرت فرقة 'رمسيس' خاصة وأنها ضمت عشرات النجوم ممن كانوا ملوك المسرح في ذلك الوقت وتولى اخراج المسرحيات للفرقة في بداياتها سنة 1923 العبقري عزيز عيد، وقدم جورج ودولت مع فرقة 'رمسيس' العديد من روائع المسرح العالمي وخصوصا مسرحيات عطيل والأب ليونار والجريمة والعقاب وكليوباترا وهي مسرحيات نبغ فيها أصلا، جورج ابيض مع بداية تكوين مسرحه. الفرقة القومية في عام 1935 كونت الدولة الفرقة القومية بفرض ترقية فنون المسرح وأسندت إدارتها الى الأديب الكبير فانضمت دولت ومعها جورج الى الفرقة وقدمت على خشبتها العديد من الاعمال الرائعة واستقالت من الفرقة سنة 1944 وبنت في حدائق القبة وبجوار منزلها سينما هونولو ومسرح هونولو، وكانت تفكر في أن يكون هذا المسرح خاصا بها وبزوجها لتقديم روائع المسرحيات العالمية، وكانت سينما هونولو من اشهر دور السينما في مصر وتقدم لسكان ضاحية حدائق القبة وما جاورها اعظم أفلام الأربعينيات والخمسينيات الى ان احترقت السينما والمسرح في أحداث حريق القاهرة ودمرا تدميراً كاملاً، وقد أحدث هذا العمل جرحا غائرا في صدر دولت ابيض ظلت تذكره حتى آخر يوم في حياتها. نجمة سينما كان حظ دولت ابيض في السينما أحسن بكثير من حظ زوجها عملاق المسرح جورج ابيض فكانت من أوائل الممثلات اللواتي عرفتهن الشاشة الفضية، بدأت مع الفيلم الصامت سنة 1930 وهو الفيلم الذي أخرجه الرائد محمد كريم عن قصة الدكتور محمد حسين هيكل، وهو الفيلم الذي قدم الريف المصري والفلاح في صورة جمالية حيث اهتمت الكاميرا بتصوير الجمال اكثر من نجومها في بؤس الفلاح وهو ما أثار الكثير من اللغط والنقد حول هذا الفيلم وما قدمه من رومانسية لا يعرفها الفلاح المصري. توالت بعد ذلك الأفلام التي اشتركت فيها دولت ابيض 'أولاد الذوات' مع يوسف وهبي سنة 1932 و'الوردة البيضاء' مع محمد عبدالوهاب سنة 1933، ومن اخراج محمد كريم و'الدكتور' سنة 1939 و'قلب امرأة' مع أمينة رزق سنة 1940 و'مصنع الزوجات' 1941 و'دنيا' مع احمد سالم وراقية ابراهيم و'خفايا الدنيا' وابن البلد والموسيقار مع المطربة لور دكاش ويعقوب طانيوس واخراج السيد زيادة وهو الفيلم الذي فشل فشلا ذريعا كما اشترك في فيلم 'دايما في قلبي' أول فيلم أخرجه مخرج الواقعية صلاح أبو سيف بطولة عقيلة راتب والوجه الجديد انذاك عماد حمدي ثم مثلت مع احمد سالم فيلم 'المنتقم' ومحمد البكار 'قلبي وسيفي' و'امحسوب العائلة' وهو الفيلم الذي ظهرت فيه نجاة الصغيرة وهي طفلة ومعها شكوكو الصغير وهو مطب الأطفال الآن طلعت عطية، وتوالت أفلامها بعد ذلك، من القلب للقلب بطولة ليلى مراد وكمال الشناوي ومما يذكر أن هذا الفيلم صور مرتين، الأولى بطولة صباح وكمال الشناوي وكانت معهما دولت أبيض ايضا، احترق الفيلم فأرادت منتجته إعادة تصويره فاشترط بعض الممثلين الذين لعبوا أدوارا في الفيلم المحترق أن يحصلوا على أجورهم كاملة، وفضل البعض أن يتعاون مع المنتجة ويعيد التصوير بلا مقابل وكانت منهم دولت أبيض ومثلت مع زوجها جورج فيلم الأب ومع حسين صدقي الشيخ حسن، والحب العظيم، وفي نهاية مشوارها مع السينما لعبت أدوارا في 'المراهقات' و'غرام الأسياد' و'الحقيقة العارية' وآخر ما مثلت كان فيلم 'امبراطورية م' مع فاتن حمامة ومثلت فيه دور الجدة للعفاريت الصغار، هشام سليم ومحمد محيي الدين ومحمد السقا وغيرهم، وكان آخر أفلامها قبل أن تنتقل الى الدار الآخرة يوم 4 شباط /فبراير سنة 1978. إسلامها وكانت دولت أبيض قد اشهرت إسلامها سنة 1953 ومعها زوجها جورج ابيض وابنتاها سعاد من جورج وايفون وهي ابنة زوج سابق لها، كان قد اقترن بها وهي صغيرة في السن وأنجبت منه فتاتين قبل ان ينفصلا وتتوجه هي الى المسرح، رحمها الله. رحلات كانت رحلة دولت ابيض مع الفن مليئة بالنجاحات، والفشل، الضحكات، والدموع وهي حياة كل رواد الفن في كل بقعة من بقاع العالم، وطافت دولت مع زوجها قبل الزواج وبعده العديد من بلدان العالم، الوطن العربي خاصة وفي دمشق سنة 1923 كان زواجها من رفيق عمرها جورج. كما طافت مع فرقة جورج أقاليم مصر شمالا وجنوبا وغربا وشرقا. حفل نوبي وتحكي ذكرياتها عن هذه الرحلات، فقالت: كنا في رحلة في قرى أسوان وكوم امبو نقدم أعمالنا هناك وفي يوم فوجئنا برجل نوبي يطلب مقابلتي وجورج وقام بدعوتنا الى احدى قرى التهجير الأول للنوبة، وقال لنا ان احد اقاربه في القاهرة أوصاه بنا وطلب ضرورة أن نقوم بزيارة قريته، وسألنا الرجل كم أعضاء الفرقة، قلنا 40 فردا، قبلنا الدعوة وفي اليوم المحدد وجدنا أمام مقر اقامتها 40 حمارا مزركشاً، ومع كل حمار رجل يقوده ومندوب يمشي بجوار الحمار وسار هذا الموكب في شوارع وحواري كوم امبو حتى وصلنا الى القرية النوبية، وهناك كان الاحتفال بنا عظيما وشهدنا غناء ورقصا من النوبيين لم نره من قبل ولا من بعد، ومدت الموائد وكان فيها ما لذ وطاب من أطايب الطعام، وكانت ليلة من الليالي لا تنسى عرفنا بعد ذلك ان الذي أوصى بنا هو بواب عمارتنا النوبي وأن من جاء لدعوتنا هو عمدة البلدة وعرفنا يومها معنى الديمقراطية الحقة وصلة الرحم الحقيقية، وكان درسا لنا في القيم الحضارية الراسخة في النفوس بعيدا عن زخرف المناصب. جوائز حصلت الفنانة الكبيرة على عدة جوائز وشهادات تقدير منها جائزة التمثيل الثانية عام 1925 والجائزة الأولى في الكوميديا سنة 1925 وحصلت على وسام الدولة في الفنون في عيد العلم سنة 1960. وكانت في آخريات أيامها تهتم بتربية أحفادها من ابنتيها سعاد ابيض وايفون كما كانت تقضي معظم أوقاتها في القراءة والاستماع الى القرآن الكريم كما قالت في آخر حديث إذاعي لها قبل الرحيل.
|
|
|