|
|
حليم الرومي: درس في مصر وانطلقت شهرته من ربوعها
|
عرف الوطن العربي الفنانة ماجدة الرومي مطربة ملتزمة تقدم فن الغناء الراقي، ولها ولع بأداء القصائد التي صاغها كبار الشعراء العرب، وتمتاز ماجدة بأنها صاحبة صوت ملائكي ورسالة. ولها معجبون في كل الأقطار العربية. وكان لها وجودها القومي في مصر خاصة عندما استعان بها المخرج العبقري يوسف شاهين وهي في أول سنين الصبا في أحد أفلامه في سبعينيات القرن الماضي، وأثير حول ماجدة ضجة عندما قيل انها كتبت ضد مصر لكنها نفت هذا الكلام بقوة، وماجدة هي ابنة الفنان الرائع حليم الرومي الذي كانت له في مصر صولات وجولات. وكثير من أبناء اليوم لا يعرفون والدها حليم الرومي، وهذا عيب أصبح متأصلا في حياتنا الفنية والسبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى وسائل الإعلام في الوطن العربي كله، أقصد بصفة خاصة الإذاعات ومؤسسات التليفزيون فضلا عن الصحافة المقروءة، ان كل هذه الوسائل تهتم هذه الأيام اهتماما كبيرا في مسح تاريخنا الغنائي والموسيقى، بـ'أستيكة' (ممحاة)، والدليل على ذلك تلك الأصوات المريضة التي يصنعون منها نجوما، وأولئك الذين يجهلون الفرق بين مفتاح حول ومفتاح 'الحنفية' ويجعلون منه ملحناً كبيراً وموسيقياً من الطراز الأول، ومعظم ما يقدم من أغنيات تؤديها هذه الأصوات المريضة، ألحانها مقتبسة بصورة مشوهة من أغنيات غربية. وهذه الحالة الموسيقية التي نعيشها قطعت الصلة تقريبا بين موسيقانا العربية الأصيلة وكثير من الناشئة يبدون تعجبهم وجهلهم عندما تذكر أمامهم أسماء لها باع طويل في عالم الغناء العربي، مثل، نادرة أمين، نجاة علي آمال حسين لوردكاش، ملك، صالح عبدالحي، محمد صادق، إبراهيم حمودة، غرام شيبة، محمد سلمان، عبده السروجي، شفيق جلال، عبدالغني السيد، محمد صادق، أحمد عبدالقادر، عائشة حسن، حورية حسن، عصمت عبدالمجيد وبالكاد يسمعون أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش، وعدم التواصل بين القديم والحديث لم يكن موجودا فالأجيال التي عاصرت عبدالحليم حافظ، كانت في نفس الوقت تستمع بسماع العديد من فطاحل الفن الذين سبقوه امثال عبدالعزيز محمود وكارم محمود ومحمد الكحلاوي وشفيق جلال ومحمد صادق وجلال حرب وسعد عبدالوهاب وغير هؤلاء من نجوم كبار وحتى الذين كان لهم فضل تطور موسيقانا العربية استمتع بأعمالهم ذاك الذي عاش عهد عبدالحليم حافظ ومحرم فؤاد ونجاة الصغيرة وأقصد بأصحاب فكر التطور هؤلاء، الشيخ محمد عبدالرحيم المسلوب ومحمد عثمان وعبده الحامولي ومحمود الخضراوي وكامل الخلعي وداود حسني وإبراهيم القباني والسيد درويش وإبراهيم رمزي، وكنا نستمتع بألحان هؤلاء العظماء وإبداعاتهم عن طريق فرقة الموسيقى العربية التي أنشأها الموسيقار أحمد شفيق أبو عوف وقام بقيادتها فترة من الزمن طويلة المايسترو الفنان عبدالحليم نويرة، وفرقة أم كلثوم التي أنشأتها رتيبة الحفني وقادها فترة طويلة أيضا المايسترو الفنان حسين جنيد وفرقة السماح التي كونها وقادها أحمد شفيق أبو عوف ثم المايسترو اللواء عبدالمنعم الشربيني بعد ذلك.
إسطوانات
كانت هذه الفرق قديما، مهمتها الأساسية تعريف الأجيال الحديثة بموسيقى السلف من موسيقى بحتة مثل السماعي والبشرف وغيرهما وقوالب الغناء التي اختفت الآن مثل الدور والموشح والطقطوقة والموال والمنولوج والديالوج وغنائيات المسرح القديم، كل هذا اختفى الآن ولم تعد فرقة الموسيقى العربية تقدم نماذج غنائنا التراثي العظيم. وهناك تسجيلات بأصوات رواد الغناء موجودة عند بعض عشاق الغناء الأصيل والذين يعشقون الطرب كما جاء به ملحنوه الأوائل وهو ما حرص عليه هؤلاء الرواد أمثال الشيخ يوسف المنيلاوي وسيد الصفتي وعبدالحي حلمي وسليمان داود ومحمد نجيب والشيخ سالم العجوز والشيخ سلامة حجازي وداود حسني وزكريا أحمد وغيرهم كما قامت الإذاعة المصرية في أوائل خمسينات القرن الماضي بمحاولة لتسجيل هذا التراث قبل اندثاره بأصوات قادرة منها، عباس البليدي وسيد مصطفى ومحمد قنديل وكارم محمود وشافية أحمد وعصمت عبدالعليم وعائشة حسن وبديعة صادق وغيرهم، وكان متحف معهد الموسيقى العربية يضم عددا من الإسطوانات بصوت عبده الحامولي سجلها قبل رحيله عام 1901.
من هو حليم الرومي
وعودة لحليم الرومي نقول، أنه مطرب وموسيقي كبير نهل من نبع التراث الرائع وكان حلقة مهمة في سلسلة الكبار الذين تواصلوا مع التراث وهضموه وكان تطورهم نابعا من داخل تراثنا وليس جريا بلا وعي وراء موسيقى العلب الليلية الأوروبية، كما هو حادث الآن.
في مصر
صحيح كانت بداية حليم الرومي في بلاد الشام، لكن شهرته المدوية جاءت من مصر التي كانت هي الموطن الأساسي لكل فنان عربي، سمع المطرب الواعد عن تاريخ أبناء الشام في مصر من فنانين كبار بداية من سليم النقاش مرورا على خياط والقرداحي وأبو خليل القباني واسكندر فرح وغيرهم، جاء حليم الى مصر سنة 1935 وقدم عدة حفلات واستمع إليه أحد الخبراء وهو منير الدلة الذي نصحه بالالتحاق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى 'المعهد العالي للموسيقى العربية الآن' درس حليم الفن في المعهد على يد كبار الموسيقيين المصريين أمثال مصطفى بط رضا وصفر بك علي ودرويش الحريري وعبده قطر وغيرهم، كما درس أصول قراءة 'النوتة' على الموسيقيين الأجانب الذين كانوا من أعضاء هيئة التدريس في المعهد، واستطاع الرومي أن يختزل مدة الدراسة في سنتين وأصبح يملك ناصية التلحين والأداء المتمكن، وأفسحت له الإذاعة المصرية مكانا ومكانة وقدم أولى وصلاته الغنائية في الإذاعة المصرية سنة 1938 باسم المغني المجهول خشية ألا ينال قبول المستمع العربي، وعندما نجح أفصح عن اسمه وبدأت مصر تعرف مطربا اسمه حليم الرومي، فكان يقدم في الإذاعة وصلات غنائية ويشترك في الحفلات التي كانت الإذاعة ومتعهدو الحفلات يقيمونها على المسارح وفي دور السينما وفي صالات الغناء بحديقة الأزبكية مثل صالة سانتي التي عرفت عبدالوهاب وأم كلثوم وملك وتوحيدة ومنيرة المهدية، وكانت إذاعة وحفلات ذلك الزمن والتي اشترك فيها الرومي إلى جانب أساطين الغناء المصري الذين بدأوا معه أو سبقوه مثل، عبدالغني السيد وعباس البليدي وأحمد عبدالقادر ومحمد صادق ويوسف صالح وآمال حسين ونجاة علي وظل الرومي نجما في الإذاعة المصرية والحفلات الى أن عاد مرة أخرى إلى الشام وفلسطين على وجه التحديد سنة 1941. في سنة 1945 عاد مطربنا إلى مصر ضمن موجة وصول العديد من مطربي الشام إلى القاهرة هوليوود الشرق مثل: محمد البكار ومحمد سلمان وغرام شيبا ونور الهدى وصباح ولوردكاش ونورهان وغير هؤلاء من فنانين من ربوع الشام، وبدأ - أو قل - عاد الرومي إلى نشاطه الغنائي الفني في الإذاعة والحفلات، لكنه بكل أسف لم يقدم شيئا يذكر في عالم السينما مثل الفنانين الذين ذكرناهم في السطور السابقة، فعاد مرة أخرى الى الشام وتولى عدة مناصب سنتحدث عنها في سطور قادمة، لكنه عاد مرة أخرى لمصر سنة 1948 وكان في نشاط ملحوظ وقام بتلحين بعض الأغنيات لبعض الأفلام المصرية وكانت هذه المرة، هي الأخيرة التي أقام بها في مصر وقدم فيها بعض انتاجه الرفيع الذي لم نعد نسمعه أو نسمع عنه. تحدثنا في السطور الماضية عن أعمال حليم الرومي وحياته في مصر فقط، لكن الرجل كانت له مساهماته الكبيرة في بلده لبنان وفي بر الشام عموما، ولكي نتعرف على حياته الشامية فنحن على موعد معكم لنصحبه في الحلقة الثانية منذ المولد حتى يوم الرحيل.
|
في عام 1919 وفي شهر تموز (يوليو) شهر الثورات الكبرى أطل على هذه الحياة طفل هو حليم عوض برادعي، في مدينة صور اللبنانية الجميلة ذات التاريخ العريق في مسار البشرية، لكن الطفل حليم لم يستمتع كثيرا بجمال بلاده إذ انتقل به والده الى مدينة حيفا بفلسطين ليعمل هناك وكانت المدينة عربية لم تصبها النكبة بعد. وفي حيفا التحق حليم عوض، أو حليم الرومي كما عرفناه بمدرستها الأولية واكتشف زملاؤه انه يملك صوتا 'حلو النبرات' فكان هو مطرب شلته في المدرسة ثم كان بعد ذلك نجم حفلاتها. وعندما بلغ الرابعة عشر من عمره التحق بمعهد حيفا للموسيقى من نبع الموسيقى العربية ما شاء من مقامات وغناء على الطريقة الشامية. القدود الحلبية مثلا، والموشحات وغيرها، وكان هذا الدبلوم هو إجازة المرور للمطرب الناشئ حينئذ ليكون أحد نجوم حفلات الطرب في فلسطين. وفي عام 1936 قام بإحياء حفل في بلده لبنان بعد طول ترحال في فلسطين، وكان زملاء الطرب في هذا الحفل مشاهير المغنيين من أبناء لبنان مثل غرام شيبا الذي كان نجما يشار إليه بالبنان وله وجود في كل الوطن العربي وكان غرام شيبا هذا أحد أبناء لبنان الذين جاءوا الى مصر ومثل اكثر من فيلم فقام بدور البطولة أمام نجاة علي وأميرة أمير في فيلم 'الكل يغني' ودور البطولة أمام رجاء عبده في 'بياعة اليانصيب'، وغير غرام شيبا كان هناك المطرب المبدع وديع الصافي والذي كان أيضا في بداياته القوية وكانت معه أيضا الفنانة الدارسة لور دكاش التي أطلقوا عليها في لبنان منذ الصغر، أم كلثوم ونحن نعرف أن لور دكاش جاءت القاهرة، وعاشت فيها وكانت من مطرباتها الشهيرات حتى رحلت عنها منذ سنوات قريبة، كما كان هناك أكثر من مطرب ومطربة شاركوا حليما الحفل وبعد هذا الحفل سافر إلى القاهرة كما قلنا ثم عاد الى فلسطين مرة أخرى سنة 1941 وكانت شهرته قد سبقته الى هناك فالتحق بإذاعة الشرق الأدنى للإذاعة العربية وأصبح من أهم مطربيها وملحنيها كما كان له الفضل في تقديم، الفولكلور الشامي في هذه الإذاعة ولعل الشعب العربي سمع أهزوجة 'حول يا غنام حول بات الليلة هون' لأول مرة في هذه الإذاعة وقدم حليم فيها الكثير من الألحان وفواصل العزف المنفرد على العود. فكان هو فنانها الأول تقريبا وفي تلك الأثناء كلفته الأردن بتلحين نشيد الجيش العربي وظل يتدرج في مناصب إذاعة الشرق الأدنى من مساعد القسم الموسيقي ثم رئيسا له وكانت له اياد بيضاء على هذه الإذاعة التي قدم فيها الكثير من المطربين والمطربات ثم ترك العمل بها عندما انتقل مقرها من فلسطين الى قبرص. إذاعة لبنان في سنة 1950 التحق حليم بإذاعة لبنان ولأنه كان رجلا مثقفا موسيقيا بل عالما فيها فقد استطاع أن ينظم قسم الموسيقى بها وأن يجعلها تضارع وتنافس الإذاعات الأخرى وخلال عمله في إذاعة لبنان والذي استمر من سنة 1950 حتى عام 1979 قدم مدة عمله هناك العديد من المطربين والمطربات الذين كان لهم دور في تطوير الأغنية الشامية وتعريف البلدان العربية بفن الميجانا والعتابا والفولكلور اللبناني المحبب للنفس كما كانت له ألحانه الرائعة والتي شدا بها بنفسه أو قدمها لأصوات شامية قادرة. ساهمت ألحانه في صنع شهرة اولئك الذين غنوا له، مثل سعاد محمد ونازك وفيروز وفايزة أحمد ونصري شمس الدين أحد فطاحل الغناء في لبنان، وكان له فضل بروز فيروز فهو الذي قدمها للأخوين رحباني. كانت الحان الرومي تمتاز بالأصالة والعمق كما كان هو مولعا بالتراث العربي فلحن القصيدة والموشح ومنها ما تغنى به في حب نيل مصر مثل قصيدته 'ومضة على ضفاف النيل' ولأنه متأثر بالتراث، فقد جاءت الموشحات التي لحنها قريبة البناء الموسيقي من الموشحات التي عرفها الوطن العربي ومثل 'يرنو بطرف فاتر'، و'غلب الوجد عليه فبكى'. كما كانت له مساهماته في المسرح الغنائي ومنها 'مجنون ليلى' وهي بالطبع من أشهر قصص الحب العربي كما قدم أوبريت 'القطرات الثلاث'. وكان غزير الانتاج إذ بلغ ما لحن من أغنيات ما يقرب من الثلاثة آلاف أغنية وقد كتب أحد نقاد الموسيقى الكبار نقدا ايجابيا لما كان يقدمه الرومي من موشحات فقال 'عالج الرومي الموشح بطريقة جديدة وهي ترديد المجموعة أي 'الكورس' للبيت الأول منه وبعد كل جزء من أجزائه أو ترديد أجزاء من الخانات التي ينفرد فيها المغني أما أداء الخرجة فكان يؤديها، 'الكورس' مع المغني المنفرد'. واختتم الناقد كلامه قائلا: 'وهكذا جمع الرومي بين الأسلوب المصري والأسلوب الحلبي في أداء الموشح'. وبلا شك فأن ما كتبه هذا الناقد يؤكد عمق دراسته الرومي لأسلوب الغناء المصري الذي درسه في مصر واستمع الى القمم المصرية التي صاغت الموشحات بروح مصرية ويأتي في مقدمة هؤلاء، العبقري كامل الخلعي الذي لحن مئات الموشحات ومن سبقه امثال محمد عثمان الذي أعطى الموشح طابعا مصريا خالصا ووضح هذا في موشح، 'اتاني زماني بما ارتضى' الذي كان قمة في التطريب وكانت صياغته أقرب الى الدور، في نفس الوقت عرف الرومي الموشحات والقدود الحلبية باعتباره شاميا ودرس الموسيقى في معهد حيفا كما كانت القدود الحلبية شائعة في كل ربوع الشام، ومن هنا، نجد صدق تحليل من كتب عن الرومي في جمعه بين الأسلوبين المصري والحلبي. مؤتمر الموسيقى العربية ولأنه دارس متعمق فقد كان ضمن الباحثين في مؤتمر الموسيقى العربية الذي نظمته وزارة التربية والفنون لبنان سنة 1956 وهو المؤتمر الذي بحث قضايا وإشكالات موسيقانا العربية وكان المؤتمر برئاسة هابا الموسيقار التشيكي والذي سبق له المشاركة في أول مؤتمر للموسيقى العربية الذي عقد بالقاهرة سنة 1932 واشترك فيه عدد كبير من رجالات الموسيقى عربية وغربية وبحث المؤتمر قضايا الموسيقى العربية وقد تم في مؤتمر القاهرة تسجيل العديد والعديد من قوالب الغناء العربي وبأصوات قادرة استفاد منه مؤتمر الموسيقى العربية في لبنان. ومما يذكر في هذا الشأن أن حليم الرومي رزق في نفس هذا العام '1956' بابنته ماجدة التي حملت الرسالة من بعده. زواجه تعرف حليم الرومي في حيفا على ماري لطفي وتم زواجه منها سنة 1949 في القاهرة وكانت عودته إلى لبنان بعد الزواج حيث رزق بمها ومنى وماجدة وعوض ليكونوا قرة عينه. ودفع الرومي ثمن عبقريته مرضا فعندما اشتد عليه مرض السكر اضطر الأطباء الى بتر ساقيه ثم كف بصره بعد ذلك وانتقل إلى الرفيق الأعلى في كانون الثاني (يناير) سنة 1983 تاركا وراءه ثروة غنائية ومطربة رائعة.
|
|
|