مرحباً     عدلون     البلدية     تاريخ عدلون     مقالات     بين الأرض والإنسان     خواطر وأشعار     مراسلات     وجوه من عدلون     أصدقاء عدلون     منوّعات     قصص من الواقع     في بلاد الإغتراب     أخبار عدلون     تلفزيون عدلون     مساهمات     فن الزيتون في عدلون     لوحات فنية     دردشة      
يا رحبَ المدى والمحتدِ
أبو مروان
القصيدة الكحيانية
المعلّقة الكحيانية
فيروز
أبو رياض
يستوعب الدهر
شيء نازل من السماء
الحب في العصر الحجري
مأساة إخلاص
أسطورة العين الزرقاء
الوداع

 
شيء نازل من السماء
 
 
سألت هديل ابنة العشرين حبيبها فادي وهي تحدق في عينيه كما لو انها تريد قراءة قرارة نفسه: «ما هو الحب بالنسبة لك؟» فتح الشاب يديه ونظر الى اعلى كما لو انه يريد ان يتلقف شيئاً نازلاً من السماء، فتح فمه محاولاً ان يترجم النور الذي يغمر روحه الى كلمات. وبعد دقيقة لم ينطق خلالها فادي حرفاً واحداً، قالت له هديل بجدية تامة: «فهمت عليك!».

لم تكن تتهكم! لانها فهمت عليه حقاً! لانها في قرارة نفسها كانت موقنة انه يحبها، وكانت تعلم بدورها انها تحبه، والحب هو النور الذي يجعل الناس يفهمون بعضهم دون كلمات! ‏

صحيح ان الفلاسفة وعلماء النفس لم يستطيعوا حتى الان الاحاطة بكل مكونات الحب وتجلياته واطواره. والحقيقة ان الحب يبدو لي بعد كل هذا العمر، اكثر استغلاقاً وغموضاً من اي وقت مضى. ولا أستغرب لو سئلت عما يعنيه الحب بالنسبة لي، ان افتح يدي وانظر الى اعلى كما لو انني أريد أن اتلقف شيئاً نازلاً من السماء! ‏

منذ طفولتها لاحظ الجميع ان عقل هديل اكبر من عمرها. كان معلمها يدللها، ويعدها بمستقبل لامع، لكن مصيرها تغير بشكل عنيف كما في افلام الميلودراما الهندية، اذ دهست والدها سيارة مجهولة على الطريق السريع، وانفطر قلب امها حزناً عليه، فقطعت الكلام، وامتنعت عن الطعام والشراب حتى لحقت به بعد خمسة ايام. ‏

هكذا تحولت هديل، من مشروع دكتورة،، الى عاملة زراعية كي تعيل اخوتها الاربعة، رغم انها لم تكن قد اكملت السادسة عشرة من عمرها بعد.



كانت تلف شعرها الطويل المنسدل تحت منديل باهت الألوان، كما تتعمد اخفاء معالم جسدها المتناسق بارتداء ثياب امها القديمة الفضفاضة. لكنها رغم ذلك كانت تضبط بعض الرجال وهم ينظرون اليها بعيون مليئة بالوحل. ‏

منذ اليوم الاول لاحظت انه لا يراقب النساء اثناء صعودهن ونزولهن، كما كان يفعل السائق السابق للشاحنة. وعندما التقت عيناها بعينيه عرضاً، احمر وجهه واطرق ارضاً. ومنذ ذلك اليوم اولته ثقتها فاصبح مسؤولاً عنها كما لو انه ولي أمرها. ‏

لم يتحدثا عن الحب يوماً، لكنهما كان يعيشانه حتى اقصى صفائه. كان فادي يشعر انه يطير فوق الغيوم عندما تركب هديل خلفه على الدراجة النارية وتطوقه بذراعيها ملصقة خدها بظهره. ‏

.. وهاهما يطيران على الدراجة النارية بعد ان طرحت عليه السؤال، وفهمت عليه دون ان يقول شيئاً. ‏

كانت الدراجة النارية «تطير» بهما على الطريق المنحدر وسط البساتين المحاطة باشجار العرعر التي تستخدم كمصدات رياح. ‏

قالت هديل لفادي وهي تشد بذراعيها حول خصره: «خفف السرعة! بدأت أخاف». ‏

رد فادي وهو يضحك: «لن أخفف!.. السرعة حلوة»! ‏

كانت السرعة تتزايد بشكل متواتر، مما جعل هديل تصيح بعد لحظة: «خفف السرعة أرجوك! أنا مرعوبة!» ‏

أجاب فادي: «اعترفي، اذاً، أنك تحبينني»! ‏

قالت هديل بمزيج من الذعر والرقة: «انت تعرف انني احبك حقاً، ولا حاجة لان ترعبني كي اقول لك ذلك! خفف السرعة ارجوك». ‏

قال فادي: «الخوذة التي ألبسها غير مريحة وتزعجني، ولن اخفف السرعة الا اذا نزعت الخوذة عن رأسي، ولبستها»! ‏

نزعت هديل الخوذة عن رأس فادي ولبستها، ثم قالت: «لبست الخوذة كما تريد، فخفف السرعة أرجوك»! قال فادي بهدوء: «لن أخفف إن لم تضميني بشدة»! ‏

ضمته بشدة، لكنه لم يخفف السرعة وواصل طيرانه نحو أسفل المنحدر.. ‏

في اليوم التالي نشرت الصحف قصة حادث مؤسف تعرض له شاب وفتاة كانا يركبان دراجة نارية. كان الشاب يعلم وهو يندفع في الطريق المنحدر، ان مكابح دراجته قد توقفت عن العمل، لكنه لم يشأ ان يخبر فتاته بذلك، بل دفعها لأن تصارحه بحبها، وجعلها ترتدي الخوذة لتنجو و.. يموت!

حسن م. يوسف     نقلاً عن مدوّنة عبدالله طحان