حديث خرافة
لاشك أن كلمة أسطورة مأخوذة من اللاتينية وهي الحكاية الشعبية التي تحكي قصص الماضين بشيء من القداسة غرضها تفسير بعض ظواهر الطبيعة وأسرار الكون والوجود دخلت هذه الكلمة اللغة العربية من بابها الواسع وهو القرآن الكريم عندما اتهم العرب الجاهليون النبي محمد أنه يقص عليهم أساطير الأولين. ولا غضاضة في ذلك فالقرآن الكريم ينقل لنا بكثير من التفصيل قصص الأمم السالفة. إلا أن لغتنا العربية تحتوي على مفرداتٍ أخرى لتؤدي نفس المعنى تقريباً وهي الخرافة وقد ورد في «مجمع الأمثال» ان خرافة رجل من بني عذرة سَبَتْهُ الجن، ولما رجع إلى قومه وأخبر الناس بما رأى منهم عجباً كذّبوه، حتى قالوا لكل حديثٍ مبالغٍ فيه «حديث خرافة». واليوم بعد التقدم العظيم الذي قدمه العلم لم نعد بحاجة لأحاديث خرافة ولا لأساطير الأولين فقد استطاع العلم أن يفسر لنا معظم ظواهر الطبيعة التي كانت تشغل بالنا وتستعصي على فهمنا. ولكن يبدو أن كثيراً من الناس اليوم ما زالوا رهائن ومختطفين عند الجن، يطلعوهم على أخبار السماء بعد أن يسترقوا السمع من العالم العلوي ويعودوا بالمعلومات الإلهية القيّمة التي سرقوها من الله وملائكته والتي تكشف اسرار المستقبل وأسباب أمراضهم الوهمية وعلاجها
،كيفما اتجهنا نسمع الخرافات، ولو توقف الأمر على بعض العجزة والمهووسين وضعفاء النفوس لهانت المسألة، ولكنها أصبحت قضية رأي عام فالجرائد مليئة بالخرافات والفضائيات تؤكد بالصوت والصورة الأكاذيب والأساطير وكأن الأولوية عند الحكومات اليوم إشاعة الجهل وتعميمه على كل شرائح المجتمع وليس فقط البسطاء وغير المتعلمين. والعرب لديهم ملكة عجيبة في إساءة استعمال الاختراعات التكنولوجية الحديثة. فهم قد نجحوا في استغلال الأقمار الصناعية لنشر الجهل والدجل من فضائيات جديدة تخصصت في السحر والعلاج منه عن طريق سحرة يوهمون الناس أنهم مرضى ويشرحون لهم كيفية التخلص من السحر الذي يجعلهم يعزفون عن زوجاتهم، أو يمنعهم من الزواج على الزوجة الأولى. وقد انتشرت هذه القنوات في البلاد العربية انتشار النار في الهشيم، مما يدل على قابلية العقل العربي لتلقي وهضم كل أنواع الجهل والدجل. والمعلومات المتوفرة تقول أن ربع مليون مشعوذ ودجال ونصاب يعملون في هذا المجال ويقدمون خدماتهم إلى نصف الذكور في العالم العربي وثلاثة ارباع النساء وأن نصيبهم من الدخل القومي هو خمس مليارات دولار، لهذا اتجه رجال الأعمال والإقتصاد الوطني للإستثمار في هذا المجال وأنشأوا ثلاث فضائيات تبث من لبنان وهذه الفضائيات تستعمل مفردات الدين الإسلامي لتسويق بضاعتها الفاسدة. يعبثون بالقرآن الكريم وآياته ولا من مدافع عن حرمة هذا الدين واحترام العقل، مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ قباني تقدم ذات يوم بدعوى قضائية ضد مرسيل خليفة لأنه غنى قصيدة لمحمود درويش فيها اقتباس من القرآن الكريم لغرضٍ نبيلٍ ومشرّف وهو خدمة للقضية الفلسطينية التي لا يختلف إثنان على عدالتها ولكن فضيلته لم يحرّك ساكناً ضد هذه الفضائيات التي تبث من الجمهورية التي هو مفتيها والتي تعيث فساداً بالمجتمع وتحقر الدين الإسلامي
لا يمر يوم إلا ويصلنا على بريد الموقع رسائل تعرض لنا مسائل تافهة لا يصدقها الأطفال فيها الكثير من الغيبيات التي لا يقبلها منطقٌ ولا دين ينسبونها افتراءً للنبي أو لله أو الأولياء الصالحين يزعمون انّ القيامة ستقوم قريباً وأن الله منتقمٌ من الناس لا محالة ولا إبطاء، ويعدونا بالجنة إذا رددنا كالببغاء بعض الجمل الفارغة ثم يهددونا بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم نرسل ترّهاتهم هذه إلى عددٍ كبير من أصدقائنا. عجيب أمر هؤلاء، بين أيديهم أهم انتاجات التكنولوجية الحديثة، وأهم مكتسبات ثورة العصر أي الكمبيوتر والأنترنت، فبدلاً من أن يستعملونها بما يفيدهم ويفيد مجتمعاتهم تراهم يجترون منتجات عصور الإنحطاط والتخلف التي ادت بنا إلى ما نحن عليه اليوم من مذلةٍ وخذلان
منذ القرن الثاني عشر والعالم العربي يرزح تحت نير الجهل ويتغذى بالنقل بعد أن ضمر وأضمحل العقل بعد قفل باب الاجتهاد. وكلما ظهرت بارقة أمل في إنعاش العقل الإسلامي بحقن المحاليل الحديثة في شرايينه كما حاول أن يفعل جمال الدين الأفغاني أو محمد عبده يتكاتف الجهل مع الفقر مع رجال الدين وتثور الشعوب وترفض المحاليل الحديثة. ونظل نجتر ماضينا ونتغذى عليه، ويزداد الأشعريون عدداً وقوةً
السحر كان معروفاً للإنسان البدائي منذ آلاف السنين لأنه كان يجهل فهم القوى الطبيعية التي تسيّر العالم، فلجأ إلى الاعتماد على القوى الميتافيزيقية لتفسر له الأمراض والعلل التي كان يعاني منها، فاخترع الجان وجعله يأتي بأخبار المستقبل من السماء وما يصيبهم من أمراض. وأصبح الكاهن الذي يسيطر على ذلك الجان طبيباً يداوي الناس وعرّافاً يخبرهم بالغيب
ولكن الأمر اختلف مع مجيء مع الإسلام. وقد حارب النبي محمد فكرة الجن والسحر، وأراد أن يطرد من أذهانهم الإعتقاد بالجن وقوتهم الخارقة . فنجد عدة سور في القرآن، وأغلبها مكية، تؤكد أن الجن لا يساعد الإنسان بل يزيد متاعبه ويرهقه إرهاقاً، (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً) وتتحدث سورة الجن عن أنهم كانوا يسترقون السمع من السماء عندما يتحدث الله مع ملائكته فقطع عليهم الطريق وطاردهم بالشهب (وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً). وهكذا وظّف القرآن ظاهرة سقوط واحتراق الأجسام الفضائية، متيوريت، لمطاردة الجن من أبواب السماء حتى لا يأتوا بأخبار الغيب ويتبعهم الناس. ثم بعد أن أكد عدم جدوى الجن بانقطاع مصادرهم العِلْوية وزوال مقدرتهم الفائقة في الصعود إلى السماء واستراق السمع، جعل منهم مسلمين يستمعون للقرآن وذلك ليوحي للمفتونين بهم بأن مصدر الجن من الآن وصاعداً بعد إقفال أبواب السماء بوجههم هو القرآن فالأجدر بهم اتباع المصدر مباشرةً عوضاً عن وسيطهم الجني (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً # يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً) [الجن: 1-2] وفي سورة البقرة يقول القرآن (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) أي يتعلم السحرة ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد لسببٍ بسيط وهو أن سحرهم لا ينفع وليس له تأثير فإذا افترق المرءُ عن زوجه فتكون صدفة من مشيئة الله وليس بسبب السحر
وهذا موقف الإسلام الحقيقي من أن ليس هناك سحرٌ ولا من يحزنون حتى الجن فقد أنكر الإسلام ضمنياً وجودهم وبدل من أن يقول بصراحة أن الجن غير موجودين وهذا من شأنه أن يصدم العرب المؤمنين بوجودهم حتى النخاع فضل أن يبطل مفعولهم، ذلك أن الناس اخترعوهم لحاجة محددة وهي العلم بالغيب فإذا رفع النبي عنهم هذه المزية إنتفى وجودهم تلقائياً وأخرجهم من كينونتهم ومن الوجود بلا حفلة تخريج ولا ضجيج وكان أمراً مفعولا ولكن هناك من رجال الدين من لم يستوعب فحوى وروح هذه الآيات البينات وظل يؤمن بالسحر والجن ويحض الناس على الإيمان بهما إلى أن تحوّل إلى مشعوذ حتى أصبحت كلمة شيخ تدل بنفس الوقت على رجل الدين الفاضل والمشعوذ الدجال وكذلك في بلاد المغرب العربي تحولت كلمة فقيه من العالم العلامة إلى مشعوذ بامتياز
وأخيراً إذا كان لهذا الموضوع من آخر نقول لرجال الدين ونخصُّ منهم المشعوذين وما أكثرهم كما قال الأعرابي: خلا لكِ الجو فبيضي واصفري ولكن دوام الحال من المحال، غداً ستشرق شمسُ العلم على هذا الشرق الغارق في الجهالة والمهانة، ويا أيها العلماء الروحانيون، ولستم بعلماء وليست الروحانية علماً، غداً سيجتاحُ العلم الحقيقي ملكوتكم الزائف وسينتشرُ بين ظهرانيكم كانتشار النور في الليل البهيم وستتحطمُ أصنامكم جميعُها وينفضُّ عنكم الناسُ ويومها لن ينفعكم لا شمهورش ولا كهيعص ولا حتى اسم
الله الذي لا يضر مع اسمه شيءٌ لا في الأرض ولا في السماء
عدلون الأرض والإنسان
باريس في 23 شباط 2009