مرحباً     عدلون     تاريخ عدلون     بين الأرض والإنسان     خواطر وأشعار     مراسلات     وجوه من عدلون     ذكريات     أصدقاء عدلون     منوّعات     قصص من الواقع     النوادي     في بلاد الإغتراب     أخبار عدلون     تلفزيون عدلون     فن وإبداع      
يا رحبَ المدى والمحتدِ
أبو مروان
القصيدة الكحيانية
المعلّقة الكحيانية
فيروز
أبو رياض
يستوعب الدهر
شيء نازل من السماء
الحب في العصر الحجري
مأساة إخلاص
أنا ومهدي
هي ثكلى الكلمات

أنا ومهدي


عرفته مذ كنت في الصف الرابع متوسط يوم زرت أخاه رضا، صديق الطفولة والشباب، مع بعض الأصدقاء في البيت القديم، جاء وجالسنا ورحّب بي كلّ الترحيب وأراد، من باب المداعبة، أن يمتحنني في الرياضيات ذلك أنه سمع عني أني كنتُ من محبي هذه المادة وكان أن أجبته على ما سألني عنه وأفضتُ بالإجابة فاستحسن ما أبديتُه من دقةٍ وجرأة وكال لي من عبارات التشجيع والمديح ما دفعني إلى أن أقترح أنا بدوري أن أطرح عليه مسائل فيها شيئ من التحدي غير آبهٍ بفارق السن ولا بفارق الصفوف التي تفصلنا فضحك وقبل التحدي وسامحني على بعض شطحاتي

Pause Arrêter Précédent Suivant Afficher les photos en taille réelle

سافر مهدي إلى الإتحاد السوفياتي (رحمه الله هو الآخر) إلاّ أننا بقينا نذكره دائماً ففي تلك الأيام كانت تربطه علاقة حب شبه معلنة مع ناديا زميلتنا بالصف كانت ناديا تحدّثنا عنه باستمرار وكانا يتراسلان بلا انقطاع وكنا في بعض الأحيان إذا رأينا ناديا ضحوكة وبشوشة على أكثر من عادتها علمنا أنّ رسالةً من مهدي وصلتها وكنا نسعدُ جميعاً معها، كنا نسعدُ برسالةٍ لا نطّلع على ما تحتويه، يكفي أنّ مضمونها مرسومٌ على وجه ناديا

وكنتُ ألتقيه في كلّ صيف، كان يحدّثني عن الإتحاد السوفيتي وكنتُ أحدّثُه عن فرنسا، وفي صيف 86 جاء إلى فرنسا بزيارة مطوّلة فتسنّى لي أن أقتربَ منه أكثر وكنّا نقضي أوقاتاً طويلة معاً كنا نخرج إلى الأماكن العامة ونجلسُ في المقاهي المطلة على نهر السين حيث الشوارع مكتظة بالسياح والمارّة وكان دقيق الملاحظة يعلّق ساخراً على كلّ ما يبدو له غير مألوف وفي إحدى المرّات إعترض طريقنا طاقم صحفي تابع لإحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية وسألونا أمام الكاميرا عن رأينا بالسياحة في فرنسا ولا ندري إذا كان البث مباشر أم لا فقال لي رحمه الله ترجم يا إبراهيم وأخذ يقول رأيه بكل صراحة مع شيئ من المبالغة المحببة مما جعلني أضحك أكثر مما أترجم فارتابت المذيعة وشكت في أمانتي بالترجمة وحاولت أن تعرف مني أكثر دون جدوى وأظن انها عند تركيب الفيلم في الإستديو ستستدعي مترجما أكثر أمانةً مني بل محلّف  لتقف على ما قاله مهدي. هكذا كان رحمه الله يقول رأيه بصراحة و يستعين غالباً بالفكاهة والدعابة ليكون كلامه أقل إيلاماً. عرّفته على شلّة الأصدقاء في الجامعة وسرعان ما أصبح واحداً منا أحبّوه جميعهم وكانوا دائماً يسألونني عنه وكان هو كذلك في كل زيارة لي إلى لبنان يسألني عن أخبارهم ويحملني سلاماً إليهم

وفي أحد الأيام زرته في ساعة متأخرة من الليل بصحبة مريضٍ من قرية مجاورة وبعد أن عاينه بكل اهتمام رفض أن يأخذ منه "الفحصيّة" قائلاً له إن كلّ من يأتيني مع إبراهيم أو من قبل إبراهيم لا آخذ منه شيئاً ولا أسمح أن يغادر البيت إلاّ بعدّ أن "نضيّفه" ونكرم وفادته وكرر معي هذا أكثر من مرّة فقررت ألاّ آتيه مع مريض واكتفيت إذا دعت الضرورة بأن أدلَّ المريض على بيته وأوصيه بألاّ يقول له أنني من أرسله


وفي آب الماضي زرته في بيته في إحدى الأمسيات وراح يحدّثُني بأسلوبٍ مرحٍ ساخر عن حوارٍ مفترض دار بينه وبين بعض الموتى ممن افتقدناهم
وأسفنا لرحيلهم كلّ الأسف، منهم المرحوم علي أمين نجمة طيّبَ الله ثراه، من جهة وبينه وبين العصافير وهي تزقزق على أغصانها فوق القبور من جهةٍ أخرى كان البادي من حديثه أنه يسخرُ من الموت لكن الحقيقة كانت الحياة موضوع السخرية. مهدي قابل الموت وجهاً لوجه من سنوات طويلة وعرفه حقّ المعرفة، رآه بأمّ عينه يوم اختطف هذا الموت القاهر المرحوم حسن ياسين عبود من جنبه من على مقعد تلك السيارة الملعونة، منذ ذلك التاريخ أدرك مهدي أنّ الحياة لا تساوي جناح بعوضة وأن من يضحك كثيراً وحده الفائز في هذه المباراة غير المتكافئة بيننا وبين الحياة، وربّ متشائمٍ قائل: بل بيننا وبين الموت وكلاهما سيّان فعندما نقول الحياة قد نعني الموت والعكسُ صحيح فالضدّ يظهر قبحه الضدُّ

الحياة تلهو بنا وتسخر ومهدي كان يردّ بأن يسخر من الحياة والموت على حدّ سواء، أليسا سواء؟ بعدما استرجعتُ ما كان يقول لي تبيّنتُ أنه كان يعرف خاتمته وكان يخفي ما بداخله ولم يطلق صفارة الإنذار ولمن يشتكي أليسَ هو "الطبيبَ المداويا" وهل رجلٌ يردّ عن الناس كفّ القدر؟ وكأني به يقول


فإن لم تكن تسطيع دفع منيتي        فدعني أبادرها بما ملكت يدي


كان ردّه بأن رضي قانعاً بما سيؤول إليه وهنا كان عظيما وهكذا يكون الإنسان عظيماً في مواجهةِ قدرٍ لا يرحم وراح يضحك ويسخر ويقولُ لكل من حوله تعالوا أحبكم اليوم أكثر 

 

وداعاً يا مهدي، وداعاً يا صديقي، فيما مضى ظللنا نذكرك وأنت في سفرٍ عنا إلى حين واليوم وقد رحلتَ إلى الأبد فسنظلّ نذكركَ يا مهدي ما حيينا، إذهب يا صديقي وارتحْ قليلاً فوالله ما هي إلاّ إغماضة عين ويدور الزمان علينا وننتقلُ إلى حيث سبقتنا وبانتظار ذلك القدرالمقدّر والأجل غير المؤجّل سنعملُ بنصيحتك، سنضحكُ كثيراً ونرضى مثلك بقواعد اللعبة التي وضعها الله عزّ وجل وهو الذي قهر عباده بالموت ونحن نقهر الموت بأن نرضى بالقدر ونروّض أنفسنا أن تقبله راضيةً مرضيّة وكي نتغلبَ على الفناء نقنع بالمكتوب والقناعة كنزٌ للروح لا يفنى

 

د. إبراهيم علامة