رفض تغيير اسمه لتسهيل عمله بهوليوود. و الرسالة ردّ علي انزعاج ابنه من وصفه بأنه عربي
في ساعات مبكرة من صباح يوم الجمعة 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، وبتأثير اصابته من جراء العمليات الارهابية التي استهدفت احدي الفنادق الأردنية، فارق المخرج السوري ذو الجنسية الأمريكية مصطفي العقاد الحياة الي الأبد، لينزل الخبر كالصاعقة علي المهتمين بمسارات السينما العربية خاصة، ما دام الراحل قد كان وراء عملين سينمائيين قدما الصورة الحقيقية للاسلام وللنضال ضد المستعمر، بشكل انساني متميز.
العيد الذي يتحول الي طقوس قتل، دماء، رعب وأشلاء ممزقة، كان المحور الرئيسي لثمانية أفلام شكلت أجزاء سلسلة أنتجها مصطفي العقاد تحت عنوان هالووين ما بين 1978 و2002، فالسلسلة تحمل عنوان عيد يقوم فيه الأطفال عادة بالتنكر في لباس مختلف، قبل أن يطرقوا الأبواب طلبا للحلوي أو النقود، ليتحول المشهد الأخير من حياة العقاد الي هالووين فظيع، تجسد في سفره نحو عمان من اجل حضور حفل زفاف، مرفوقا بابنته ريما القادمة بدورها من بيروت، قبل أن يتحول ذلك العيد الي مأساة تناقلتها في حينها جل وسائل الاعلام العربية والعالمية.. فهل هي سخرية القدر الأعمي؟
تعود علاقة الراحل مصطفي العقاد بالسينما الي مراحل الطفولة، فحسب ما كان يدلي به من اعترافات سير ذاتية لبعض المنابر الاعلامية والمواقع الالكترونية المتخصصة في قضايا الفن السابع، كان جد متأثر بأحد جيران الأسرة في مدينة حلب السورية، وذلك الرجل كان يعرض الأفلام السينمائية، وكان يأخذني في الصغر لأتابع كيفية عرض الأفلام، وكيفية قص المشاهد الممنوعة. ومع مرور الوقت، أصبحت مولعا بالسينما. وعندما بلغت الثامنة عشرة من عمري، قررت أن أصبح مخرجا سينمائيا.. جريدة الزمان 12/11/05.
لكن الحلم بولوج مجال السينما من قبل العقاد لم يكن ليتوقف عند مجرد نسخ الأعمال التقليدية السائدة عربيا، كما لم يكن ليتوقف عند حدود التأثر بمخرج عربي ما، بقدر ما كان طموحه مرتبطا باقتحام حصون وقلاع السينما العالمية، المتمثلة في هوليوود ، وذلك هو السبب الذي كان وراء تفكيره المبكر في السفر الي الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة فنون المسرح في جامعة لوس انجليس (ولاية كاليفورنيا)، دون البقاء مكتوف الأيدي أمام امكانيات الأسرة البسيطة، العامل الذي جعله مضطرا للاشتغال مدة سنة كاملة من اجل توفير ثمن تذكرة الطائرة، علما بأن والده لم يستطع سوي تزويده بمصحف وبمبلغ 200 دولار.
كل تلك الأحداث كانت سنة 1954، حيث كانت أمامه فرصة بعد سنوات من ذلك السفر للتألق، لو تم مشروع تعاونه مع المخرج الأمريكي العملاق سام باكنباه في اطار انجاز فيلم حول المقاومة الجزائرية.
في قاعدة الاشتغال السينمائي في استوديوهات هوليوود، كان أمام العقاد تحد من نوع آخر، تمثل في صعوبة فرض الذات بسبب الاسم العربي، لذلك، حرص كثيرا علي عدم تغيير الاسم (للأسف غيره فعلوا ذلك)، رغم معرفته المسبقة بما قد ينجم عن ذلك من عراقيل وصعوبات، أشار اليها يوما حين قال: كان طريقي شاقا بمعني الكلمة، فلو لم أكن عربيا لكان الأمر أسهل بكثير، فكون اسمي (مصطفي) وحده يشكل صعوبة كبيرة، كان بامكاني أن أغيره لأمارس عملي بسهولة، لكن، كيف أغير اسمي الذي أورثني اياه أبي؟ .
للرجل مبادئ أساسية حرص دوما علي عدم الانسلاخ عنها، فبغض النظر عما سبقت الاشارة اليه، يمكن أن نتوقف أمام حرصه التام علي الابتعاد ما أمكن عن التمويل الأجنبي لفيلميه الرسالة و عمر المختار ، واللذين تحمل ميزانية انتاجهما في غالبيتها رجل عربي، لم يكن الا رئيس الجماهيرية الليبية معمر القذافي، في نفس الوقت الذي رفض فيه الراحل العقاد عرضا تقدم به الملاكم العالمي المعروف محمد علي كلاي لتجسيد دور بلال بن رباح في فيلم الرسالة ، خوفا من تأويل تلك المشاركة الرمزية بقصدية استغلال شهرة الملاكم الامريكي تجاريا.
الي حد بعيد، يمكن القول بأن السينما العربية انجبت تاريخيا ثلاثة مخرجين كانت لهم تصورات تتشابه في بعض الملامح وطبيعة الوعي الفني الذي تصدر عنه تجاربهم السينمائية، وان كانت تلك التجارب قد تختلف في نقاط اخري محدودة، فعلي مستوي الاشتغال المكثف علي التوثيق والتاريخ، يتشابه كل من الراحل مصطفي العقاد والمخرج المصري الراحل شادي عبد السلام، وعلي مستوي الحرص علي انتاج سينما ذات هوية عربية خالصة، انتاجا وتوزيعا، يتشابه المخرجان المذكوران مع تجربة المخرج المغربي الراحل محمد الركاب، في نفس الوقت الذي توفي فيه الثلاثة دون اتمام حلم انتاج ثلاثة افلام ذات صلة بالواقع والتاريخ العربيين، اذ قتل العقاد قبل تحقيق حلمه باخراج فيلم حول شخصية صلاح الدين الايوبي، وتوفي محمد الركاب قبل انتاج فيلمه حول القضية الفلسطينية مذكرات منفي ، وهو نفس الشيء الذي ينطبق علي شادي عبد السلام، الذي رحل قبل تحقيق حلمه باخراج فيلم حول احدي الشخصيات الفرعونية.
الرسالة، او ملحمة الاسلام
حسب ما كان يحكيه الراحل العقاد، فان تفكيره في اخراج فيلم حول الاسلام لم يكن ناتجا عن فراغ، بل كان السبب في ذلك التفكير هو مداعبته ذات مرة لابنه طارق قائلا له بأنه عربي، الامر الذي لم يرق للمراهق الذي كان من أب سوري وأم أمريكية، مفضلا نعت نفسه بكونه امريكيا، وذلك الجواب يحمل بين طياته تصور جيل الشباب ـ ممن يشكلون فئة المهاجرين العرب ـ السلبي لكلمتي عربي و مسلم . بنظرة بعيدة المدي والعمق اذن، ولرأب الصدع والتباعد الذي كان سائدا علي مستوي الاحكام القبلية لبعض المسيحيين حول الديانة الاسلامية، فكر مصطفي العقاد في اخراج فيلم الرسالة ، علي ان يكون الفيلم موجها لمشاهدين عرب وغربيين، أي بنسختين: عربية وانكليزية.
في ذلك الصدد يقول مصطفي العقاد: في ذلك الوقت، التقيت بالصديق محمد السنعوسي الذي كان يدرس الاخراج التلفزيوني في لوس انجليس، وقدمت له فكرة فيلم اسلامي كبير، فاقتنع بها، وبدأنا سويا التنفيذ الفعلي من الكويت، حيث وقعنا اتفاقا مشتركا بين ثلاث دول عربية (الكويت، ليبيا، والمغرب) لتشترك معا في التمويل بمعدل نصف مليون دولار لكل دولة.. ولكن رابطة العالم الاسلامي في السعودية وصلتها معلومات خاطئة عن الفيلم، مفادها أنه سيظهر شخصية الرسول (ص) وشخصيات الصحابة والخلفاء الراشدين، فاتخذت قرارها بمقاطعة الفيلم ومنع عرضه في كل الدول الاسلامية.. وكان من نتيجة القرار انسحاب الكويت والمغرب من المشروع، وكنا وقتها قد صورنا بالفعل بعض المشاهد في الصحراء المغربية، فحملت تلك المشاهد وعرضتها علي الرئيس الليبي معمر القذافي، فوافق علي أن تمول ليبيا الفيلم بالكامل، وأعدت تصوير تلك المشاهد في صحراء ليبيا مجلة الفن السابع، مصر، العدد 14 كانون الثاني (يناير) 1999.
ورغم ان الفيلم لم يكن بالصورة التي فهمته بها رابطة العالم الاسلامي، فان الشخصية الوحيدة التي ظهرت فيه بشكل مباشر لم تكن تتجاوز شخصية حمزة عم الرسول (ص) جسدها انطوني كوين في النسخة الانكليزية وعبد الله غيث في النسخة العربية ، في حين كان يكتفي بتصويب الكاميرا بذكاء نحو أمكنة يفترض أن يتواجد فيها الرسول (ص)، دون صوت، كما أن علي بن ابي طالب لم يجسد نهائيا علي الشاشة الكبري، حيث اكتفي المخرج ببعض الصور الموحية، كتصوير جمله وسيفه.
في فيلم الرسالة ، نعاين كذلك المجهود الكبير الذي بذله أدباء من طينة وحجم عبد الحميد جودة السحار، توفيق الحكيم ويوسف ادريس، وهو مجهود كان وراء سيناريو وحوار متكاملين، يجد فيه المشاهد العربي سلاسة في تقديم جوانب من السيرة النبوية، التي تم فيها الاعتماد علي الوثائق التاريخية الدقيقة، كما يجد فيه المشاهد الغربي تصحيحا لبعض الأفكار الخاطئة حول الاسلام، خاصة في تركيز العقاد علي استثمار هجرة المسلمين الأوائل نحو الحبشة، حيث الملك العادل النجاشي الذي ناظر المهاجرين بخصوص كيفية تصوير القرآن الكريم لشخصية نبي الله عيسي ابن مريم، قبل ان يقتنع بعدم وجود أي تناقض بين النص القرآني وبين الانجيل حول تلك المسألة.
ومن الانتقادات القوية التي وجهت لفيلم الرسالة ، كونه لا يحمل بصمة المخرج بشكل واضح، وفي هذا الاطار سنفاجأ كثيرا حين نستمع لموقف العقاد من ذلك الانتقاد، وهو موقف لا يصدر بالضرورة الا عن مخرجين حقيقيين، ينصتون للنقد دون ان يثيروا ضجيج الأنا المعتاد في الساحة العربية كموضة سيئة منذ سنوات.. يقول العقاد: هذا صحيح الي حد كبير، ففيلم الرسالة لم يكن متكاملا من الناحية الفنية لعدم ظهور معظم الشخصيات المهمة فيه، الي حد أن بعض جمل الحوار كانت تدور مع الكاميرا... وأيضا لم يكن هناك تطور لشخصية ما، أو مسار لقصة محددة، لها معالم واضحة (مجلة الفن السابع، عدد 14/1999).
عمر المختار، أسد الصحراء
علي امتداد ثلاث ساعات تقريبا، قدم العقاد في فيلمه عمر المختار ، مراحل من حياة المقاوم الليبي الشهير عمر المختار، في خط متواز مع رصد معالم من ارهاصات الثورة الليبية ضد المستعمر الايطالي.
فبتكلفة تقدر بحوالي 50 مليون دولار، تم انتاج الفيلم. وهو في نسختين، النسخة الأصلية باللغة الانكليزية، والثانية مدبلجة الي اللغة العربية، واذا كان فيلم الرسالة ((1976 قد عرف توزيع الأدوار علي ممثلين عرب وأجانب، حسب نسختي الفيلم، فان العقاد في أسد الصحراء عمر المختار احتفظ بنفس الممثلين العالميين، وفضل اجراء الاختلاف فقط علي مستوي اللغة من خلال الدبلجة واللجوء للترجمة المكتوبة فيما يتعلق بالمقاطع الحوارية التي تمت أصلا باللغة الايطالية.
في العنوان احالة دلالية أساسية، لأن ليبيا كانت وراء انتشار لقب ثعلب الصحراء الذي سيعرف به الالماني رومل ، وربما كان اختيار لقب اسد الصحراء تنويعا مناقضا يستهدف اثبات البطولة العربية الاسلامية، عبر قضية كفاح وطني مشروع، قام به الشيخ عمر المختار، شيخ زاوية القصور التاريخي، الذي أشرف بنفسه علي تأليب القبائل العربية ضد المستعمر الايطالي، خاصة بعد احتلال بنغازي، في صورة ستتقوي أكثر بعد رحيل الملك ادريس السنوسي الي مصر، وفراغ الساحة الليبية من قائد يفترض منه أن يوجه الشعب نحو النضال من اجل الحرية والتحرر من قبضة قوات الديكتاتور موسيليني.
هكذا، استمرت ملحمة تأطير الشيخ عمر المختار للقبائل البرقاوية لمدة تناهز 15 سنة، ذاقت خلالها قوات رودولف غرازياني الويلات، قبل أن يتم القاء القبض علي الشيخ يوم 11 ايلول (سبتمبر) 1931، بعدما أصيب جواده بطلقة نارية، ليسقط الثائر علي الارض، جريحا، محاولا الاختباء بين بعض الشجيرات، قبل ان يدل احد الليبيين الخونة الجنود الايطاليين عليه، وتلك هي الصورة الفعلية التي سقط بها ذلك المقاوم الشرس، عكس الرواية الايطالية التي حاولت تجريده من أي بعد بطولي، مدعية سقوطه بين ايديها بطريقة فيها استسلام وسهولة.
يأتي الفيلم بناء علي ذلك، في نسق تصحيحي لجوانب تاريخية ألقت عليها الكتابات الاستعمارية بعضا من التحريف، علما بأن الشهيد عمر المختار ظل دائما ثابتا علي هدوئه النابع من نشأته الدينية الاصيلة، وهي الصورة التي رسمها العقاد بتفوق واضح للرجل، طيلة مشاهد الفيلم، بدءا بالمشاهد الاولي ووصولا الي لحظات اعدامه شنقا صبيحة 16/9/1931 في بنغازي، بعدما قضي خمسة ايام في معتقله بسوسة.