الرحّالة لويس فلسيان جوزيف كنيار دي صولسي من مواليد العام 1807 ومتوفٍ سنة 1880 خريج جامعة البوليتكنيك وأستاذ مادة الهندسة العسكرية عُيّن مفتشاً للشركة الفرنسية للتاريخ القديم وفي عام 1841 حصل على منصب محافظ متحف المدفعية في باريس، أصبح عضواً في مجلس الشيوخ الفرنسي عام 1859، قام برحلات استكشاف في اليونان وسوريا ولبنان وفلسطين بين العامين 1845 و1869 في شهر حزيران من العام 1850 ألمت به ملمّةٌ أدخلته في حزنٍ شديد. فقد توفيت زوجته وتركته وحيداً مع إبنٍ لهما ما زال في مقتبل العمر، وصعُبَ عليه الأمر فقرّر أن يتركَ باريس مع إبنه بضعة أشهر عسى أن يكونَ له ولإبنه مخرجاً وعزاءً وعوناً على تخطي الفترة العصيبة، وهذا تماما ما وقع للرحالة العربي إبن جبير فكانت رحلته الثالثة إثر وفاة زوجته، التي كان يحبها حبا شديدا، فدفعه الحزن عليها إلى القيام برحلة يروح عنه ما ألم به من حزن على فراقها
ثم راح يعدُّ العدة ويحشد الأمكانيات ويشحذ الهمم لإنجاح مهمته وأراد أن يجني من هذا السفر أكبر الفائدة وأعظم الأجر وكان حسابه كما يعدد هو كالتالي: أوّلاً مدة السفر الطويلة نسبيّاً والإبتعاد بعيداً عن باريس من شأنهما أن يساعدانه بعض الشيئ على السلو و نسيان مُصابَه الأليم. ثانياً سيصطحب معه إبنه ليفتح عينيه على الدنيا ويتعلم دروساً لا تقدمها له أفضلُ المدارس تساعده على ضمان مستقبلٍ زاهر. ثالثاً يستحصل من الجامعة أمراً بإرساله ببعثة علمية لاستكشاف واستطلاع البلدان والأصقاع التي هي محط اهتمام الأوساط العلمية في ذلك الوقت، على أن يقدم إلى الجامعة في باريس نتأئج بحوثه. رابعاً إصطحاب أحد المموّلين وأُلي الشأن في المجتمع الباريسي ليكون لرحلته هذه وقعاً قويّاً عند عليّة القوم. خامساً إصطحاب بعض الأشخاص لا تربطه معهم علاقة قوية ليقوى بهم كما يقول وربما للمساعدة على دفع مصاريف الرحلة. سادساً وأخيراً الحرص على أن يكون إلى جانبه الأب ميشون وهو رجل علم على حدّ تعبيره وذلك لإضفاء الطابع الديني على رحلته إلى بيت المقدس، وهكذا يكون صاحبنا قد وضع مريم الصنّاع التي حدّثنا عنها الجاحظ في جيبه الصغرى ولو لم تسبقه بأكثرَ من ألف عام لظننا أنها تتلمذت على يده
إنطلق موكب دي صولسي بالقطار من باريس إلى بلجيكا ثم بروسيا فالنمسا، توقفوا ليومٍ في برلين وبعدها لبضع ساعات في فينا ثم ترست التي وصلوها في صبيحة اليوم الخامس ثم سيرا فأثينا حيث حطوا الرحال مدة شهرٍ من الزمان لاستكشاف آثارها ولكن صاحبنا لم يجد حسبما قال شيئاً جديداً لم يتطرق له من سبقه من الرحالة وكأن لسان حاله يقول
هل غادر الشعراءُ من متردّمِ أم هل عرفت الدارَ بعد توهّمِ
كما قال عنترة عندما وقف على آثار الحبيبة وأطلال دارها، من أن الشعراء قد قالوا كل شيئٍ قبله وليس ما يضيفه وهو واقفٌ على هذه الرسوم الدارسة
لم يجد دي صولسي في اليونان ما يكتسبه و ينفعنا به وهنا إتخذ قراره باختصار إقامته في ذلك البلد العريق والتوجه نحو الشرق، وفي الحقيقة إن صاحبنا لا يتخذ قراراً إلا إذا كان صائباً على أكثر من صعيد، والسبب الآخر الذي جعله يعجل بالرحيل هو أن وباءً في تلك الأيام ضرب اليونان خبط عشواء فاعتلّ إبنُه ثم أصيب من كان معه واحداً تلو الآخر ثم جاء دوره وهو في الطريق إلى اسطنبول
عرج صاحبنا ومن معه إلى اسطنبول لأنه يبدو أن كل الأسباب التي ذكرناها نقلاً عنه في سبب خروجه في هذه الرحلة لم تكن تكفي وأراد أن يضيف سبباً آخر ونفعاً جديداً من العيار الثقيل لا يخطر على بال. أراد أن يستصدر فرماناً من الباب العالي يسمح له هكذا وبكل بساطة أن يخلع لوحة أثرية أشورية نادرة من مكانها على نهر الكلب لينقلها ( أي يبيعها) إلى متحف اللوفر في باريس. بطبيعة الحال الباب العالي رفض هذا الطلب ورجع صاحبنا يجر أذيال الخيبة قاصداً بيروت وأول ما قاله عند وصوله: إن الناسَ هنا متحضرون أكثر من اسطنبول
وصل إلى سوريا كما يقول وكما كان هو الحال في تلك الأيام، إذ لم يكن لبنان قد وُلدَ بعد، في السابع من كانون الثاني 1850 وكانت الساعة السابعة صباحا عندما رست سفينته في "ما يُسمى ميناء بيروت" في إشارة تهكمية منه إلى أن هذا الميناء ( البور) كان بسيطاً للغاية، لكن منظر بيروت كما يبدو من السفينة كان رائعا وخلاباً أعجبه كل العجب وجعله يطمئن على جدوى الرحلة وربما يغير جدولها لأنه كان عازماً قبل أن يصل إلى بيروت أن يكمل رحلته إلى آسيا الصغرى إلا أنه في ما بعد عدل عن هذه الفكرة وقضى جُلّ الرحلة متنقلاً في سوريا بين لبنان والشام وفلسطين وعندما كتب مذكراته كان العنوان: رحلة إلى سوريا وحوض البحر الميّت
يتبع