هِيَ ثَكْلَى فِي يَوْمِكَ الْكَلِمَاتُ أَصَحِيْحٌ أَنَّ الأَحِبَّةَ مَاتُوا؟
كُنْتُ أقولُ في نفسي، بعد أنْ خَبِرْتُ الحياةَ وأصابني ما أصابني من الدهرِ وصروفِه أنْ لا شيئَ بعدَ اليومَ يُدهشني أو يُؤلمني أو يُفجعني
فقد هيّأتُ نفسي على أنّ كلَّ شيئٍ ممكنٌ أن يحصَلَ، فالويلاتُ تتلاحقُ والأزماتُ تتفاقمُ والناسُ إلى تبديل... منهم من قضى ومنهم من ينتظر... وبعضُ الذين أمِنّا جانبهم إنقلبوا أيما منقلب، وبعضُ الذين أنِسنا إليهم تفرّقوا أيادي سبأ. لكنّ الدهرَ يأبى أن نستكينَ إليه وأن نخرجَ من دائرةِ سلطته الجهنمية ولا ينفكُّ يأتينا بما هو أفظعُ كلما ظننا أننا عَرَفْنا دأْبَهُ وأدركنا مكرَهُ
كانَ الخبرُ الجللُ الذي تلقيناهُ صباحَ الجمعةِ الماضي من اللوعةِ والمرارةِ ما أدخلنا في ذهولٍ نخرجُ منه لندخلَ في ذهولٍ آخر... يا إلهي... لماذا عبّاس؟ وما حكمتُكَ في ذلك؟ عباسُ واسطةُ عقدٍ نجتمعُ إليهِ، نحنُ أصدقاؤهُ، ونفترقُ دونَه... إخترتَه إلى جواركَ أنتَ الغنيُّ عنه وانتزعتَه منا نحنُ الفقراءُ إليه... كان في أوجِ عطائِه وكان، في موقعِهِ، موضعَ فخرٍ لنا جميعاً .. أصدقاؤه، أبناء بلدتِه وأبناء منطقتِه ناهيكَ عن أهلِه... فهل من عزاءٍ يا ألله... هل من عزاءٍ يعيد لنا وللناسِ بعدَ اليومَ بعضَ ما خسروا؟ إنها حكمتُكَ التي لا سبيل إلى سَبْرِ أغوارها وإذا كان لا بدّ مما كان أن يكون... فلتكنْ مشيئتُكَ إذاً.. طالما أن الصحفُ كُتِبَتْ والأقلامُ رُفِعَتْ
الأستاذ عباس كان من النوعِ الذي نحبُّه دون أن نشعرَ بالحاجة إلى التعبير عن هذا الحبّ، ذلك لأنه من الذين يعطون بلا مقابل، يبذلون ما بوسعِهم لأجلِ الآخرين ولا ينتظرونَ حتى كلمةِ عرفان... من منا لم ينعمْ بخدمةٍ من عباس؟ بمجاملةٍ لطيفةٍ منه؟ بمفاكهةٍ طريفةٍ في جلسةٍ أو سهرةٍ معه؟ بموقفٍ مساندٍ وقتَ الشدائد؟ أنا شخصيّاً أكرمني عباسُ في مواقفَ شتى سأذكُرُ منها فقط مَكْرُمَتين
الأولى كانتْ منذ ثمانيةِ وعشرينَ عاماً... والصورة المرفقة بهذا المقال أُخِذَتْ في تلك المناسبة.. كانتْ يومَ سافرتُ للمرةِ الأُولى إلى فرنسا واجتمعَ في ذلك اليوم، في بيتِنا، جمْعٌ كثيرٌ من الأهلِ والجيرانِ والأصدقاءِ وغصَّ المكانُ بالمودعينَ منهم من تقاطرَ على الدبكةِ ومنهم من غنّى ورقصَ... وظنّ الناسُ أنّ في بيتنا عرسٌ... فما كانَ من عباس إلا أنْ اعتلى الكنبةَ الموجودةَ على الشرفةِ وألقى قصيدةً عصماءَ من وحي المناسبة أعجبتْ الجميعَ وأثنى عليها كلُّ من سَمِعَ.. وكانتْ بعنوان "في يومِ عُرْسِكَ"... قالَ لي، رحمَه الله، عندما التقيتُ به العامَ الماضي، أنّه ما زالَ محتفظاً بنسخةٍ عنها ووعدَني بأن يرسلَها إلى فرنسا بعد أن يستخرجها من أرشيفه لنشرها في هذا الموقع ووعدني أيضاً بنشر بعضِ قصائدِه عندما يسمحُ له الوقتُ
أما المَكْرُمةُ الثانية فأكتفي بأن أقولَ أنّه انتصرَ لي في مسألةٍ تخصُّني وتخصُّ عائلتي وكانَ له في ذلكَ موقفاً مبدئيّاً نبيلاً وثابتاً وأصيلاً ورائعاً لا أنساهُ ما حَيَيْت
وأخيراً يا عباس، يا صديقي، يا صاحبَ الرأي الحرّ والموقفِ الثابت والكلماتِ الشاعرة، وهي ثكلى في يومكَ الكلماتُ، أقولُ اذهبْ إلى ربٍّ رحيم، إذهبْ إلى جناتِ الخلدِ فما تركتَه لنا كفيلٌ بأنْ لا ننساكَ أبداً... سنذكركَ في كلّ يومٍ جديد... ومع كلّ إشراقةِ شمس... حتى يومنا الأخير
باريس في 24 آب 2008
الدكتور إبراهيم علامة