مرحباً     عدلون     تاريخ عدلون     مقالات     بين الأرض والإنسان     خواطر وأشعار     مراسلات     وجوه من عدلون     أصدقاء عدلون     منوّعات     قصص من الواقع     في بلاد الإغتراب     أخبار عدلون     تلفزيون عدلون     منوعات 2     فن الزيتون في عدلون     لوحات فنية      
أفحكم الجاهلية يبغون؟ 1
حكاية العيد 1
البحث عن يسوع 1
البحث عن يسوع 2
البحث عن يسوع 3
البحث عن يسوع 4
البحث عن يسوع 5
الأب لامنس مخترع لبنان
زمن ما بعد الحداثة
حاج حسن أبكرت الرحيلا
هنيئاً لشعب لبنان العظيم
الدين أفيون الشعوب
حديث خرافة
أمانا أيها القمر
كل عام وانتم بخير 0
كل عام وانتم بخير
أنا ومهدي
هي ثكلى الكلمات

الأب لامنس مخترع لبنان

الأب لامنس اليسوعي زار عدلون وتعرّف على معالمها وقال أن بارونية صيدا أيام الصليبيين كانت حدودها إلى جهة الجنوب تبدأ من عدلون، قد يكون محقاً لأن الحدود الطبيعية التي كانت تفصل بين صيدا وصور منذ أيام الفينيقيين هي إلى الجنوب من عدلون في منطقة القاسمية وسموها القاسمية لأن نهر الليطاني كان يقسم بين المدينتين. وتفقد غبطتُه منطقة المغاور وقال إنها كانت مساكن للرهبان المسيحيين ولم يعطِ أيّ دليل إلاّ أنه قال أن ما بيديه من دلائل يدفعه لأن يقول هذا الرأي، وبقيت الدلائل بين يديه ولم يفصح عنها، ثم قال إن هذه النواويس، على ما هي عليه لا يمكن أن يعيش فيها إلاّ الرهبان. وقد يكون هذا هو الدليل الذي يقبض عليه بكلتا يديه كسِرٍّ لا يريدُ أن يشيعَه وكأن الرهبان فرقة مغاوير في الجيش تدربوا جيداً على خشونة الطبيعة وشظف العيش والسكن في الكهوف! قد يقصد أبونا الآباء الكرمليين الذين كانوا يعيشون متسكعين في أنحاء جبل الكرمل على خطى حبيبهم النبي إليا خاصة أن في الكرمل مغارة تشبه مغارة عدلون لجأ إليها نبي بني إسرائيل إليا الجلعادي في تيهه وهو هاربٌ من مليكه آخاب، ولكن ليس هناك من دليل أن هؤلاء الهائمين على وجوههم تيمناً بنبيهم جاءوا إلى عدلون، يذكر لنا التاريخ أن نفراً منهم أقاموا في الصرفند في المقام الذي أنشأوه للنبي إليا والذي حوّله المماليك إلى مقام للنبي المجهول خضر عليه السلام. وهذا ما رويناه في موقع الصرفند الأرض والإنسان. ثم يضيف الأب لامنس أنه رأى بأمّ عينه شارات صليب محفورة على النواويس! أنا شخصياً قضيت طفولتي ألهو وألعب بين جنبات هذه النواويس أعرفها شبراً بشبر ولم يلفت إنتباهي في يومٍ من الأيام صليبٌ واحدٌ في أيٍّ منها فكيف اخترع لنا هذا الدليل أبونا لامنس؟ وقال أيضاً أن المغارة الكبيرة كانت تسكنها إحدى الراهبات! فبالله كيف عرف ذلك؟ قد يكون سأل عن إسم المغارة فقالوا له: أم البزاز فاستنتج أنَّ امرأه سكنت هذه المغارة الموحشة إذاً لا بد أن تكون راهبةً أختَ الرجال الرهبان المغاوير سكان المغاور! وإذا صحّ قولُه يصبح إسم مغارتنا العتيدة: مغارة الراهبة أم البزاز... في حاروف هناك مغارة إسمها مغارة أم البزاز، فهل كان عندهم راهبة عارمة الصدر مثل راهبتنا؟ لا أبداً، سميت المغارة بهذا الإسم لأن الماء يقطر من نتوءاتٍ في أعلى المغارة تأخذ شكل ثدي المراة، لا راهبات ولا من يحزنون ولا رهبان ولا من يتبتلون

الأب هنري لامنس المتوفي سنة 1938 كان أستاذاً للدراسات الشرقية في جامعة القديس يوسف اليسوعية التي تأسست سنة 1875 وهو مستشرق من أصل فلمنكي أي بلجيكي كان غزير الإنتاج واسع الخيال إهتم بتاريخ الشرق الأوسط وكوَّن صورة في غاية السلبية عن الإسلام والمسلمين وكأنه خارجٌ للتو من الحروب الصليبية أو كأنه لم يتقبل ما آلت إليه هذه الحروب بعد أن حطت أوزارها منذ قرونٍ طويلة وأراد أن يستمر في تأجيجها على طريقته. أراد أن ينتصر للمسيحيين فأينما ذهب لا يرى إلا آثاراً للمسيحيين عشاق الحرية مقابل حكام المسلمين الطواغيت. بُعيْدَ الحرب العالمية الأولى بدأت فكرة القومية العربية تنمو بشكل ملحوظ في المشرق العربي وكانت إنكلترا تؤيدها وتدعمها بقوة عندما كانت هذه القومية موجهة ضد الأتراك وبعد أن دالت دولة الترك استمر الإنكليز في دعمها، مما أغضب الفرنسيين وحملهم على الإنقضاض على الملك فيصل وحكومته في دمشق. وأرادوا أن يقلعوا فكرة القومية العربية من جذورها فأوعزوا للأب لامنس وكان على علاقة جيدة بالسلطات الفرنسية في بيروت أن يكتب تاريخ المنطقة بما يتلاءم مع سياساتهم في ذلك الحين، فكتب كتابه تاريخ سورية حول سوريا الطبيعية والأمة السورية وخصوصية جبل لبنان

تحدث الأب لامنس في كتابه عن سوريا وحدودها الطبيعية: جبال طوروس تفصلها عن الأناضول في الشمال، والصحراء السورية تفصلها عن العراق في الشرق والجزيرة العربية في الجنوب، ومن الغرب البحر الذي يؤمن لها التواصل مع العالم الغربي وهي كما وصفها تعبيرٌ عن مشيئة العناية الإلهية في تأسيس مهدٍ لأمةٍ عظيمة، وشرح أن السوريين عبر العصور أبدوا درجة عالية من الذكاء وقدموا مساهمات بناءة في مسيرة الحضارة الإنسانية وتفاعلوا مع كل الحضارات الغربية من هيلينية وأغريقية ورومانية... ألم يجلس خمسة منهم أباطرة على عرش روما؟ حتى ظهر الإسلام وفتح العرب سوريا آتين من صحراء قاحلة معادية للحضارة وأخضعوا سوريا كلها لحكمهم إلاّ جبال لبنان ـ والقول دائما لأبينا ـ وصار السوريون الذين لم يتحملوا وطأة الظلم الإسلامي يهربون إلى جبل لبنان فأصبح هذا الجبل ملاذاً لكل المضطهدين ومحبي الحرية وهكذا بدأت نظرية الملجأ اللبناني عند لامنس. والمضطهدون هؤلاء لم يكونوا فقط من المسيحيين بل كان منهم المنشقون عن الإسلام الرسمي مثل الشيعة والدروز. وتوالت فصول القهر من استبداد العباسيين إلى جور المماليك إلى ظلم العثمانيين ولم يستثني الأب لامنس إلا عهد الصليبيين خلال قرنين من الزمان وفترة بني أمية وكان يعتبر دولتهم وحدها المستنيرة في تاريخ العرب والإسلام لأنها على حد زعمه كانت سورية أكثر مما هي عربية

في أطروحته هذه حول تاريخ سوريا والملجأ اللبناني الآمن، ضرب لامنس عصفورين بحجرٍ واحد، أولاً سوريا الطبيعية التي تنتظر أن تصبح أمة وثانياً موقع لبنان كملاذ جبلي للمضطهدين، وقد ميز بدقة في الشق الأول بين ما اعتبره تاريخ قومي سوري مشروع وما كان في رأيه تطفل عربي وإسلامي على هذا التاريخ دون أن يتمكن هذا التطفل من تغيير واقع الأمة السورية على الأرض. وكان هناك من اقتنع بهذا الطرح ووجد مسوّغاً تاريخياً لظهور حركة قومية علمانية مستقلة عن العروبة فجاء تأسيس الحزب السوري القومي أولاً ثم سمي لاحقاً الحزب السوري القومي الإجتماعي وعبارة إجتماعي أُريدَ بها ترجمة للعبارة الفرنسية  وكان أحمد فارس الشدياق قد ترجمها سابقاً إلى اللغة العربية بعبارة إشتراكي، كذلك قومي فهي ترجمة لكلمة  تُترجم أحياناً وطني وأحياناً أخرى قومي أي أن عبارة الوطني الإشتراكي هي نفسها القومي الإجتماعي وهكذا يبدو إسم الحزب وكأنه ترجمة لحزب هتلر النازي حزب العمال الألماني الوطني الإشتراكي دون أن يكون عمالياً وإذا قارنا الزوبعة مع الصليب المعكوف تبدو الفكرة أكثر وضوحاً، وكتاب لامنس هو من الكتب الأساسية التي يعتمد عليها الحزب السوري القومي الإجتماعي في تثقيف جمهوره ومحازبيه. والحزب هذا يقدم نفسه على أنه علماني لا طائفي ولكن لو دققنا قليلاً نجده منتشراً بالأخص بين أبناء طائفة الروم الأرثوذكس وهي الطائفة المنتشرة بكثافة أكبر في سوريا وكذلك في فلسطين والأردن لهذا يجد أبناء الطائفة قوة في اتحادهم مع إخوانهم في الأقطار الشقيقة ثم أن سورية تعيد لهم أمجاداً مضت عندما كانت سوريا مسيحية عاصمتها أنطاكيا

 أما الجزء الثاني من أطروحة لامنس فقد كانت السند الفكري للأحزاب التي تؤمن بالخصوصية اللبنانية والتي نعتها كمال جنبلاط ذات يوم بالإنعزالية فجاء حزب الكتائب الذي استوحى إسمه بيار الجميل من حزب الدكتاتور فرانكو، حزب الفالونج الإسباني الذي ترجمه إلى حزب الكتائب اللبنانية، أوروبا استطاعت أن تتخلص من هذه الأحزاب اليمينية المتطرفة وما بقي فهو في طريقه للإنقراض، إلا أن بقاء ذيولها في لبنان قد ساعد في نشوء الأحزاب الأصولية والعشائرية في الجهة المقابلة ما أوصلنا إلى الطريق المسدود الذي نتخبط فيه اليوم فهل هذا ما أراده لنا لامنس منذ مئة عام؟

بعد هذا الإستطراد نعود لتفحص نظرية لامنس التي أقل ما يمكن أن نقول عنها أنها غير موفقة. أولاً هو ينفي عروبة سورية قبل الفتح الإسلامي وهذا غير صحيح فالتدمريون عربٌ أقحاح برعوا بالتجارة مثل عرب الحجاز وأقاموا مملكة عظيمة امتدت من الفرات إلى النيل وهددت روما وكادت أن تنتصر عليها أيام الملكة زنوبيا وزنوبيا هو إسم الدلع إذا جاز التعبير وإسمها بالأصل زينب وكرمها الأدب العربي وسماها الزباء وسنتحدث عن السيدة زينب ودولتها العربية في تدمر بالتفصيل في مقال آخر في هذا الموقع قريباً. ثم أن الغساسنة كانت لهم دولة وتاريخٌ غير مغمور في سوريا ومدينتهم الرصافة ما زالت تشهد على ماضيهم التليد وهم عربٌ أقحاح كان يتردد عليهم شعراء المعلقات في الجاهلية ويمدحوهم. وقد لاقى العرب الفاتحون لبلاد الشام كل الترحيب والمؤازرة من قبائل العرب المقيمين فيها والذين توافدوا على سوريا قبل الإسلام بزمنٍ طويل

 أما قضية أن العرب جاءوا من صحراءٍ قاحلة عديمة الحضارة فهذا يتعارض مع حقائق أساسية يتجاهلها أبونا عن قصد لأنه يعرفها جيداً وهو أن عرب الجزيرة كانوا من أمهر التجار في ذلك الوقت وكانت قوافلهم تسير بالإتجاهات الأربع وكانوا صلة الوصل بين الهند واليمن والشام و مصر والحبشة. والتاجر لا بد أن يكون حضارياً ومهذباً وخلوقاً ومتابعاً للمستجدات السياسية التي تطرأ في البلدان التي يتعامل معها وعلى ثقافة واسعة. ثم أن نظامهم السياسي كان يعتمد على الشورى بين رؤساء القوم عندهم في دار الندوة الذي يعتبر كمجلس شيوخ. وكان إهتمامهم كبير بالثقافة والأدب والدليل أن أدبهم ما زال حاضراً في أيامنا هذه وبعضه يضاهي ما ننتجه اليوم. ويخبرنا القرآن الكريم بأنهم كانوا يلمّون بكل المعارف الإنسانية المعروفة في عصرهم وكان لنسائهم دورٌ متقدم في مجتمعهم فبرز منهنّ الشاعرات كالخنساء وغيرها، وسيدات الأعمال كخديجة بنت خويلد زوجة الرسول التي كانت صاحبة شركة استيراد وتصدير دولية كما نقول بلغة اليوم دون أن تكون تحت رعاية رجلٍ محرم بل كان يعمل عندها الرجال بالأجرة في مستودع البضائع أو السير مع القوافل أو الترويج للسلع، وكانت المرأة إذا شاءت اشترطت يوم خطبتها أن تكون العصمة في يدها تطلق زوجها عندما يبدو منه ما يسيء إليها مثل ما حصل لحاتم الطائي مع زوجته، كل هذا يدل على جو الحرية الفردية السائد في مجتمعهم، ولولا هامش الحرية هذا لما استطاع الرسول نشر رسالته في السنوات الأولى للدعوة الإسلامية. كان القرشيون المؤمنون بآلهتهم يسمعون من النبي ما يحقّر معتقداتهم ويدَعونه وشأنه، وباستثناء بعض المناوشات الفردية لم تسجل حوادث تذكر إلا عندما استفحل الأمر وأصبح خطراً على أمن دولتهم وتجارتهم، ولم يبادؤوه بالقتال إلا عندما قطع عليهم طريق القوافل... وسمي العصر جاهلياً ليس بمعنى الجهل الذي هو ضد العلم بل الجهل الذي هو ضد الحلم، وقد صور لنا الإسلام الجاهلية بأبشع صورها لأنه من الطبيعي عندما يحلُّ نظامٌ محل نظامٍ آخر أن لا يذكر النظامُ الجديد إلا مساوئ القديمِ، هذه هي سياسة الدول في كل العصور ومع هذا فالإسلام أخذ عن الجاهليين أشياءَ كثيرة ومعظم العبادات هي جاهلية أصلاً  كالحج مثلاً... ولا أريد أن أفيض أكثر في شرح المستوى الحضاري الذي وصل إليه العرب الجاهليون قبل اعتناقهم الإسلام وقبل فتح سوريا وسائر البلدان التي وصلوا إليها فهذا بات معروفاً ومتفقاً عليه بين جميع أهل الإختصاص

ما زالت فكرة لبنان الملجأ مقبولة في لبنان اليوم، وقد تقبلها الشيعة والدروز لأنهم لم يجدوا تفسيراً لتواجدهم في هذه المنطقة بعيداً عن مركز الخلافة وبهذه الكثافة وربطوا بُعدهم عن المذهب الرسمي للدولة الإسلامية ببعدهم عن مركز الخلافة. وبالحقيقة الشيعة تحولوا إلى المذهب الشيعي وهم في لبنان ولم يأتوا نازحين هرباً من الظلم السني والذي شيعهم هو الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري الذي جاء إلى جبل عاملة في جنوب لبنان بمفرده وأقام بين السكان ودعاهم للتشيع، والدروز إعتنقوا مذهبهم بالمراسلة، وكانت تأتيهم الرسائل من مصر وتدعوهم إلى اعتناق التعاليم التي سميت فيما بعد درزية وهم في أماكنهم لم يبرحوها ولم يأتوها هاربين ولم يتلقوا تهديداً من أحد. أما الموارنة فيؤكد مؤرخهم البطريرك أسطفان الدويهي ان الإضطهاد الذي أجبر الموارنة على ترك موطنهم الأصلي في وادي العاصي بالقرب من حماة في سوريا  كان على أيدي البيزنطيين المسيحيين وليس المسلمين. وكان ذلك بسبب خلاف لاهوتي ـ أي فقهي ـ حول طبيعة المسيح. أي أنهم عندما كانوا في كنف المسلمين وتحت حكمهم  عاشوا بسلام وعندما استردّ البيزنطيون شمال سوريا في وقتٍ ضعُفتْ فيه سلطةُ الإسلام اضطروا لأن يتركوا موطنهم ويلجأوا إلى منطقة كانت تحت سيطرة المسلمين. أما الروم الكاثوليك فقد لجأوا إلى لبنان من نواحي حلب واحتموا بالموارنة بسبب خلاف نشب مع إخوانهم الروم الأرثوذكس بسبب قبول الكاثوليك الإتحاد مع روما، وكان ذلك سنة 1683 ولم يكن هروبهم بسبب ظلم المسلمين

 وفي أحداث سنة 1860 عندما اضطُهِدَ المسيحيون وحصلت مجزرة راح ضحيتها 12000 منهم، ضربت سلطات الدولة العثمانية مرتكبي المجازر بيدٍ من حديد كي لا تتكرر هكذا جرائم، وفي ليلةٍ واحدة جرت محاكمة لأكثر من مئة شخص اعتبروا مسؤولين عن الأحداث المفجعة وأعدموا على الفور بينهم الوالي العثماني في دمشق نفسه وكبار ضباطه، وحكموا على المئات الآخرين من أعيان المسلمين بالسجن أو النفي لأنهم لم يستخدموا نفوذهم الإجتماعي في فضِّ النزاع، ولاحقوا المتورطين الآخرين الذين هربوا وقتلوهم حيث وجدوهم حتى لا يقال أن الحكم الإسلامي يضطهد المسيحيين أو غير مسؤول عن سلامتهم كمواطنين

وكان يمكن لنظرية لبنان الملجأ أن تكون معقولة لو أن لبنان ظل خارج سيطرة الدول الإسلامية المتعاقبة، والدلائل كلها تشير إلى أن النفوذ الإسلامي لم يغب عن لبنان إلا في زمن الصليبيين. ففي أيام الدولة الأموية استقدم معاوية عشائر عربية وفارسية حديثة الإسلام ووطنها في جميع أنحاء لبنان في هضاب بعلبك وطرابلس وعلى طول الساحل ومنطقة وكسروان، وكسروان اسم قبيلة المستوطنين الفرس الذين سكنوها وهي بالفارسية جمع خسرو أي كسرى بمعنى الأكاسرة وأبونا لامنس يعرف هذا جيداً لأنه كتب مقالاً عنهم بعنوان الفرس في لبنان. وظل هؤلاء المستوطنين أوفياء للدولة الأموية يسهرون على أمن المسالك الإسترتيجية إلى ساحل الشام ويحفظون الثغور ويحققون السيطرة الكاملة للأمويين على كل لبنان كان هذا قبل نزوح الموارنة وسائر المسيحيين إلى لبنان. أما في زمن العباسيين فتفيد الحوليات عن حصول سلسلة من الثورات ضدهم في دمشق وحمص وفلسطين استطاعوا أن يقمعوها أما في لبنان فكان الوضع هادئاً نسبياً وكان كثيراً ما يتردد إليه المتعبدون والأتقياء والمتصوفة المسلمون لينعموا بالسكون والطمأنينة وكان المسيحيون يحسنون وفادتهم ويرحبون بهم كل الترحيب. أي أن السياحة إلى قرى شمال لبنان كانت مزدهرة ـ مثلما كانت مزدهرة قبيل الحرب سياحة الخليجيين إلى مصايف لبنان ـ ولا حوادث تذكر إلا حادثة واحدة يتيمة حصلت لحاكم بعلبك أيام أبو جعفر المنصور وهو أنّ مسيحيي جبة المنيطرة رفضوا دفع الضرائب فهاجم عامل بعلبك المنطقة وأخضع العصاة وشتت سكان المنطقة المسيحيين من دون صعوبة تذكر. وطلب المسيحيون المهجّرون من الإمام الأوزاعي أن ينظر في أمرهم فكتب إلى الخليفة أن يسمح لهم بالعودة وهذا ما كان. والمصادر المعروفة لا تفيد عن أية ثورات مارونية أو درزية ضد الفاطميين أو الأيوبيين أو المماليك، اللهمّ إلاّ ثورة الشيعة في كسروان ضد المماليك سنة 1305 وهناك من الموارنة من ينسبها إليهم وهذا خطأ، الحادثة موثقة ومعروفة وسنذكرها بالتفصيل في مقالٍ آخر عندما سنتحدث عن تاريخ الشيعة في لبنان   

 لبنان الملجأ نظرية لامنس المتداعية لم تثبُت أمام أول امتحان، متصدعة من جميع أطرافها بشقيها اللبناني والسوري. وقد أثبتنا عكس جميع النقاط التي ترتكز عليها: سوريا عربية قبل الفتح العربي الإسلامي، العرب أهل حضارة وكانوا عشية الفتح على مستوىً من المدنية يسمح لهم ببناء حضارة تضاهي ما كان قائماً في حينه، المسلمون لم يضطهدوا المسيحيين طوال عهود حكمهم ولبنان لم يكن منطقة خارجة على القانون الإسلامي يهرب إليها طلاب الحرية. يبدو جلياً أن نظرية لامنس إيمانية بالدرجة الأولى تستند على حدسه الديني والروحي أكثر من الدلائل المادية، وما قاله في تاريخ لبنان من أنه ملجأ للطوائف الفارة من جور المسلمين مثل ما قاله في سيدة عدلون، أم البزاز، كلامٌ مرسلٌ على عواهنه لا يستند إلى أية دلائلٍ تاريخية، وهو تلفيقٌ أراده أبونا لغايةٍ في نفسه، وهو تقديم مسوّغ تاريخي لأقامة دولة لبنانية منسلخة عن محيطها العربي والإسلامي وهو لم يكتفي بكتابة تاريخ لبنان وسوريا منذ الفتح العربي الإسلامي بل عاد إلى الوراء واخترع لنا تاريخاً فينيقياً من لا شيء تقريباً يضاهي بعراقته مجد مصر الفرعونية وسؤدد بلاد ما بين النهرين وهذا ما سنبحثه في مقالٍ آخر

 

الدكتور إبراهيم علامة

باريس في 11/10/2009