رُبّ أخٍ لك تحسبُ لم تلده أمّه وتحسبُ اللهَ ما خلقه
شعيب شاب يقارب الثلاثين من العمر ينحدر من أسرة فقيرة لم تستطع تحمل تكاليف دراسته وباقي أخواته، لذلك فقد عاش حياة التشرد وهو في سن مبكر كما زاول حِرَفا مختلفة في ورشات النجارة والحدادة والمكانيك وكهرباء السيارات حيث عانى من استغلال أرباب العمل وقهرهم. وهكذا من ورشة إلى آخرى دون أن ينتبه لتقدم السنوات به حتى شارف على السابعة والعشرين حينها قرر تحمل المسؤولية على عاتقه خاصة بعد حادث وفاة والده الذي جعله يحس بجسامة العبء. لذلك فقد سارع إلى شراء إحدى عربات نقل الركاب (حنطور) التي كان يشتغل بها على أطراف المدينة والأحياء الهامشية، وهو النشاط الذي سمح له بتحصيل مداخيل لا بأس بها وإن كان يبذر القسم الأكبر منها في معاقرة الخمر خلال جلساته مع زملائه وبعض أصدقائه
حسن هو بدوره أحد أبناء المنطقة الذين قضوا مع شعيب سنوات الطفولة وتقاسم معه مرارة الحرمان والعطالة بل كان أكثر الأصدقاء ارتباطا به لدرجة أنه كان بمثابة واحد من أفراد العائلة حيث تعوّد على ارتياد البيت بشكل يومي وتبادل الأحاديث مع والدة شعيب وأخواته خاصة شقيقته التي كانت في الثامنة عشر من عمرها

ولعل جلسات الدردشة العائلية تلك قد كانت وراء الشرارة الأولى لتعلق الشاب بالفتاة والعكس، رغم محاولتهما إخفاء أحاسيسهما لكن حسن لم يستطع التكتم طويلا حيث صارح الفتاة بحبه لها ورغبته في ربط علاقة معها وهو ما تحقق للشاب بسرعة لم يكن يتوقعها إطلاقا
في غفلة من صديقه الذي يعامله كأخ يثق فيه ثقة عمياء تطورت علاقة حسن بالفتاة وتوطدت مع مرور الأيام حتى أصبح تردده على المنزل يثير الانتباه لكن ذلك لم يكن بهدف رؤية صديقه وإنما لاستغلال كل فرصة سانحة من أجل الإجتماع بأخته كما شاء واشتهى. كان قد أقنع الفتاة بكونها زوجة المستقبل الأمر الذي حفزها أكثر على الاستسلام لعبثه وتلبية نزواته دون أدنى مقاومة تذكر ولم تقف مطامع حسن عند هذا الحد بل إنه تمادى في أفعاله حتى تمكن من الإيقاع بالشقيقة الصغرى لشعيب، بغياب الكبرى، والتلاعب بمشاعرها
فيما شعيب منشغل بعمله وجلسات الخمر، كثرت الأقاويل والروايات حول زيارات حسن المشبوهة بين كل الجيران، إلى أن تسرب الخبر إلى مسامع والدته وتناهى إلى علم ابنها بدوره فيما بعد، وإن كان اعتبر الأمر في البداية مجرد وشايات كاذبة إلا أنه بدأ يحس ببعض اللوم تجاه نفسه وكيف أنه سمح لشخص غريب بمشاركته كل صغيرة وكبيرة في شؤون العائلة دون التفكير في عواقب تصرفه الطائش. تزايدت الهواجس في نفس شعيب وبات كل شغله الشاغل التأكد من حقيقة ما سمعه ولذلك قرر وضع حد للمسألة وقطع الشك باليقين
على غير عادته قطع عمله مبكرا وعاد للبيت بشكل مفاجئ فكانت الصدمة عنيفة، حيث باغت صديقه بالفعل رفقة شقيقته منفردين بالبيت فبدأت شكوك شعيب تتأكد، لكنه قرر التريث ومعاودة الكرة من جديد لعل النتيجة تكون سلبية وهو ما لم يحدث ففي كل مرة يتكرر السيناريو ذاته ويوما بعد آخر تتحقق أمام ناظريه صحة الأنباء التي سمعها حول علاقة صديقه بشقيقته
لم يتقبل الشاب الغدر من أقرب أصدقائه خاصة وأنه لم يراعِ حرمة أو عشرة لذلك قرر الانتقام لشرفه وإعادة الاعتبار لكرامته المهدورة فاستدرج غريمه إلى إحدى جلساته المعتادة وهو ما انطلى عليه بسهولة معتقدا أن شعيب لم يكشف أمره بعد. وهكذا تبادل الجليسان كؤوس الخمر حتى الثمالة في جو من المرح دون أن يعلم حسن أن حسابا عسيرا كان بانتظاره فقد انهال عليه صديقه بوابل من كلم
ات العتاب والتقريع على خيانته له وهتك عرض شقيقتيه حيث نعته بأبشع النعوت وهو الأمر الذي نزل عليه كالصاعقة وأحس أن الدائرة بدأت تضيق عليه شيئا فشيئا لذلك فقد حاول التخلص من هذه الورطة بالفرار ومغادرة المكان. لكن هيهات فقد كانت نار الانتقام تغلي في نفس شعيب الذي انقض عليه بحركة سريعة بعد أن أشهر سكنيا ضخمة وشرع في ذبحه من مؤخرة العنق دون رحمة أو شفقة وسط صراخ الاستغاثة والزعيق المزعج للذبيح الذي بدأ يخفت شيئا فشيئا حتى انقطع بعدما غطت دماؤه المكان. لم ينتظر الجاني طويلا فقد قام بحمل الجثة ورميها في عربته (الحنطور) ثم انطلق بها متوجها إلى مركز الدرك
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل حين اقتحم المركز شعيب وهو يحمل في يده السكين ويلوح بها في عنف مطالبا الحاضرين بالخروج لرؤية الجثة. أثار منظر الشاب وثيابه الملطخة بالدماء الفزع في نفوس أفراد الدرك خاصة بعد معاينتهم للضحية. قبل بدء التحقيقات الأولية حاول أفراد الدرك تهدئة الشاب وتخليصه من أداة الجريمة قصد الاحتفاظ بها وإن لم يبد عليه تأثر كبير أو اضطراب على فعلته تلك حيث روى التفاصيل الكاملة للحادث منذ البداية إلى النهاية لتتم إحالته بعد ذلك على المحكمة بتهمة القتل العمد وإدانته بعشرين سنة سجنا.