مرحباً     عدلون     تاريخ عدلون     بين الأرض والإنسان     خواطر وأشعار     مراسلات     وجوه من عدلون     ذكريات     أصدقاء عدلون     منوّعات     قصص من الواقع     النوادي     في بلاد الإغتراب     أخبار عدلون     تلفزيون عدلون     فن وإبداع      
رد اعتبار
يا فرحة ما تمّت
عمر بن أبي ربيعة
الزير سليم وليلى
رُبّ أخٍ لك تحسبُ لم تلده
الغيرة والحماقة
وإذا الموؤودُ سُئِلَ
لأنها كانت ثيباً
ونِعْمَ الخطيبُ
عاشق مجنون
الخادمة العاشقة
إغتصاب
أيهنّ؟ .. فهنّ كُثْرُ
الشيخ العاشق
الجسد و الكلمات
البنت وأمها و ... أبوها
الخيانة العظمى
الحب بالقوّة
عصفورين بسكينٍ واحد
قناص يقتنصُ الفرصة
أنا أو لا أحد
يا فرحة ما تمّت 
 
 


استبشرت عائلة طارق المهاجر المغربي بإيطاليا خيرا حين أخبرها أنه قرر الزواج أخيرا، بعد عزوبة طويلة، أملتها ظروف سنوات الهجرة الصعبة. واستبشرت العائلة أكثر حينما ألمح طارق  أن زوجته المقبلة ستكون «بنت لبلاد» ليبدد بذلك مخاوف أمه التي ظلت تعارض فكرة زواجه من أجنبية، منذ أن تناهى إلى سمعها، عن طريق صديق طارق الحميم بأرض المهجر أن ابنها كان على علاقة مع إحدى المهاجرات التي تنحدر من إحدى دول أمريكا اللاتينية والتي ساعدته كثيرا خلال الشهور الأولى «الصعبة» في غربته
 
 استعدت عائلة طارق لعودة ابنها بداية هذا الصيف بطريقة مغايرة للمرات السابقة.  فالموعد غير اعتيادي والحدث السعيد يلقي بظلاله على الكل. وفيما تفننت الأم وأختا طارق في اختيار أجمل الأثواب للعروس حتى قبل أن يتعرفن عليها، حاول الوالد قدر المستطاع تخفيض مصاريف الزواج على ابنه بالحصول على كل مستلزمات الحدث وتخزينها حتى موعد قدوم طارق من مدينة ميلانو الإيطالية حيث يعيش ويعمل. شكلت آخر مكالمة هاتفية لطارق مع أفراد أسرته، أربعة أيام فقط قبل أن ييمّم شطر المغرب في سيارته الخاصة، فرصة للجميع من أجل تبادل التهاني وتمني الخير في هذا الزواج، ولطارق بالتحديد من أجل استمطار دعوات الأم والأب ليبارك الله فيما هو مقدم عليه
 
 بعد أيام قليلة من وصوله إلى بيت العائلة بمدينة الناضور، أخذ طارق أفراد عائلته إلى مدينة مكناس حيث توجد عائلة منى، زوجة المستقبل والفتاة التي ارتضاها قلبه وعقله من أجل مقاسمته الحياة بحلوها ومرها، بعد سنين طويلة من الغربة عانى منها كثيرا ماديا ومعنويا، ووجدانيا. ورغم أن سن طارق لم يتعد الستة والعشرين ربيعا إلا أن الخمس السنوات التي قضاها بالمهجر جعلته يجعل من الزواج أولويته خلال فصل الصيف هذا، حتى يتفرغ لعمله بالكامل ويتمكن من تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في انشاء شركة مختصة في التلحيم، المجال الحرفي الذي يتقنه ويعرفه جيدا منذ أن نال شهادة التخرج من إحدى  المدارس المهنية بمنطقة الناظور قبل سبع سنوات
 
مر أول لقاءات الأسرتين تحت عنوان التعارف في أجواء بديعة طبعتها حفاوة الاستقبال المعروفة لدى «أهل مكناس»، ومكنت هذه الزيارة أم طارق من أخذ فكرة عن طبيعة أهل منى المتفتحين والطيبين والذين «ما ساعتهم الفرحة» بقدوم عريس شاب، قادر ماديا، بالخصوص، على إعالة ابنتهم والرفع من المستوى المحترم الذي كانت تعيش فيه اجتماعيا مع أسرتها نحو مستويات أرفع، خاصة أن منى كانت قد أكدت لأمها أن طارق سيشرع مباشرة بعد عقد القران في تسوية وضعه القانوني بمدينة ميلانو الإيطالية ليسهل عملية التحاقها به في أقرب الآجال.
 
 في طريق العودة إلى البيت، نالت منى ذات الثلاثة والعشرين ربيعا تزكية العائلة كزوجة مقبلة لطارق وثمنت الأم مميزات عائلتها خاصة والدة العروس المفترضة، التي رأت في ابنتها صورة مصغرة من لطفها و«أصلها» وأدبها. ولم تختلف نظرة الوالد كثيرا عن نظرة الأم، فالاستحسان كان عاما والرضى موفورا
 
 لقاء في الأنترنيت بعد أن وصلت علاقته بصديقته «ماريا» ذات الأصل البيروفي (نسبة إلى البيرو) إلى نهايتها بعد أن اكتشف الطرفان أنهما ليسا الأنسب لكليهما، بحكم اختلاف الأرضية الثقافية التي تحدد زاوية رؤية كل واحد منهما للعلاقات، سواء خارج مؤسسة الزواج أو داخلها، قرر طارق أن ينسى الحلم الذي كان يراوده منذ حلوله بأرض المهجر بالزواج من أجنبية، بحكم سخطه على كل ما هو مغربي خلال المدة الأولى لهجرته، والعودة إلى «الأصل» الذي كانت والدته تحثه عليه، أي الزواج من «بنت لبلاد». لكن كيف السبيل إلى «بنت لبلاد» و الأمثلة التي يراها لا تشجع كثيرا على الإقدام على خطوة جدية كالزواج؟ حينها جاء الجواب على لسان صديقه الوحيد الذي اكتشف الطريقة المثلى للتواصل مع «بنات لبلاد» قبل ذلك. مقاهي الأنترنيت وحوار الشات. بعد عدة محاولات غير مقنعة شكلا ومضمونا، التقى طارق ذات مساء بمنى في أحد مواقع الشات، لتتكرر لقاءاتهما بعد ذلك بشكل يومي. تعرفت هي على الشاب الناظوري المكافح الذي هاجر من أجل مستقبل أفضل، فيما تعرف هو على منى الشابة خريجة معهد الحلاقة التي تحلم بالاستقرار إلى جانب «ابن الناس» الذي ستكون مستعدة لأن تصبح تراب رجليه وخدامته إذا وافق عليها زوجة له. وبدأت أحلامهما تكبر بعد كل لقاء في «الشات». أحلام شاب في إتمام دينه والاستقرار، وأحلام فتاة تريد أن «تنستر» مع «ابن الناس».
 
 تعلق قلب وعقل طارق بمنى. فقلبه لم يستطع أن يقاوم كثيرا جمال بنت مكناس التي أسرته بحديثها الرقيق والجدي والرومانسي فيما كانت جوارحه تنتفض مباشرة بعد أن يراها على كاميرا الحاسوب من خلال خدمة «الإم. إس. إن». وعقله أصر عليها حين وجد فيها الفتاة الملائمة للارتباط. تبادلا الحديث في كل شيء، وتطورت الصداقة إلى كلام في الحب، ثم الزواج. تعرفت منى على عائلة طارق قبل أن تقابل أفرادها مباشرة من خلال حديثه المتكرر عنها، وكذلك كان الشأن بالنسبة لمنى. اقترب الاثنان من بعضهما كثيرا، وتأكدا بما لا يدع مجالا للشك أنهما خلقا لبعضهما، وضربا موعدا مع عودة طارق للمغرب خلال شهر يونيو الأخير من أجل الاجتماع إلى الأبد تحت سقف واحد على سنة الله ورسوله.
 
  زين بيت منى كما يجب استعدادا لحفل الزفاف على الطريقة التقليدية المكناسية، بعدما استجابت عائلة العريس لطلب عائلة العروس بإقامة الحفل بمدينة مكناس وفقا لأعراف الزواج بهذه المدينة الجميلة. وأقيم الحفل البهيج بحضور المدعوين من عائلة الزوجين الشابين وأصدقائهما. وبعد الانتهاء من مراسيم الاحتفال، تأهبت منى لمغادرة بيت عائلتها والتوجه إلى بيت زوجها حاملة كل الهدايا التي تلقتها من الأحباب والمعارف، وودعت أهلها في فراق بدموع كثيرة. تحولت دموع الفراق مع الأهل إلى فرحة باستقبال الحياة الجديدة داخل سيارة طارق ذات النمرة الإيطالية والتي اتجهت إلى خارج مدينة مكناس قاصدة مدينة الناظور. جلست العروس في المقاعد الخلفية بين والدي العريس، فيما جلس الأخير في المقعد الأمامي إلى جانب السائق. وتلت سيارة العريسين سيارة من النوع الكبير، أو شاحنة صغيرة التأم فيها، بالإضافة إلى أختي العريس، كل من رافقهما من مدينة الناظور.
 
 وفيما كانت السيارة الأولى تسير بهدوء لتفادي كل ما يمكنه أن يعكر صفو ليلة العمر بالنسبة لطارق ومنى، انحرفت سيارة بسرعة كبيرة من الجهة المقابلة للطريق التي كانت تسير فيه سيارة العريسين لتصدمها بقوة كبيرة من الأمام. أفاقت أم طارق من الغيبوبة التي ألغت كل حواسها مباشرة بعد الحادث بعد مدة وجيزة. لم تكن تبحث في الوجوه سوى عن ابنها الذي لم تجده في كل من جاء يتفقدها، قبل أن تدرك أن فرصته في الاستمرار على قيد الحياة ستكون ضئيلة جدا بعد أن رأت الحالة التي أصبحت عليها مقدمة السيارة. وما هي إلا لحظات حتى علا صوت النحيب على صمت المكان بعد ما انضمت الأختان وباقي المدعوات إلى الأم للبكاء على الفقيد، الذي فارق الحياة قبل أن تصل سيارة الإسعاف إلى عين المكان، مركز المهاية الذي يبعد بكيلومترات قليلة عن مكناس. فارق طارق والسائق الحياة، وأصيبت أم العريس ووالده بجروح طفيفة، فيما توارت منى عن الأنظار بسرعة البرق.
 
وتوالى البحث عنها خلال الأيام التي تلت الحادث من طرف عناصر الدرك الملكي بالمنطقة دون أن يعثر لها على أثر. لحظات بعد الاصطدام، خرج خمسة أشخاص من السيارة التي صدمت موكب العريسين، ليدخلوا في شجار مع مرافقي عائلة طارق استمر عدة دقائق قبل حلول عناصر الدرك الملكي التابعة لجماعة المهاية إلى عين المكان. كان بين هؤلاء الخمسة خالد «صاحب» منى لسنوات.
 
 منى ... دون قناع كانت منى قد تعرفت على خالد قبل عدة سنوات عندما كانت تتابع دراستها بالثانوية. وقع في حبها بطريقة جنونية، كما فعل طارق بعد ذلك، بعد أن أسره جمالها. استغل تواضع المستوى الاجتماعي الذي تعيش فيه، ليقدم نفسه كمعتن بها إلى أقصى الحدود، وملب لكل طلباتها التي ما فتئت تكبر مع توالي الأيام، فتجارته المربحة التي ورثها عن والده جعلته من أثرياء المنطقة في ظرف وجيز. بادلته نفس الشعور بعد أن تأكدت أنه «الدجاجة التي تبيض ذهبا» والتي كانت تبحث عنها منذ زمن. انقطعت منى عن الدراسة بعد ذلك، ولم تعد تفكر في مستقبلها بعد أن ضمنت «دخلا مستقرا» من خلال المبالغ المالية التي كان يؤمنها لها خالد عن طيب خاطر. إلا أن إلحاح والدتها عليها كي تبحث عن عمل تقي به نفسها من عاديات الزمن وتؤمن به دخلا مستقلا جعلها تقصد مدرسة الحلاقة القريبة من الحي الذي تقطن به. بعد سنة حصلت على «الدبلوم» الذي يسمح لها بأن تفتح صالونا للحلاقة أو أن تمارس مهنتها بشكل طبيعي. ضيق ذات اليد لم يسمح لمنى وأهلها بفتح أي صالون، ليظهر خالد كبطل حقيقي بكرمه السخي وعطاياه اللامحدودة. اقترح على منى فتح صالون يتقاسم الاثنان ريعه، وهو ما وافقت عليه على الفور. وما هي إلا أسابيع قليلة حتى كانت منى تعالج شعر زبوناتها بحيوية ونشاط. استمرت علاقة منى بخالد سنتين دون مشاكل تذكر بعد ذلك، إلى أن تعرفت على طارق في «الشات». وهو ما استطاع أن يكتشفه بسرعة بحكم ترددها المتوالي على «السيبير» الذي لم تكن تعلم أن صاحبه ليس سوى أحد الأصدقاء المقربين لخالد. طلب خالد من صديقه أن يوافيه بمجمل أحاديث منى على «الشات»، ليصعق حين علم أنها تتواعد بشكل يومي مع أحد المهاجرين المغاربة بإيطاليا.
 
 «تكنولوجية» صاحب السيبير في التلصص على الوافدين إلى محله، مكنته كذلك من جمع كافة المعلومات عن طارق، وكذا الخبر الذي سيقض مضجع خالد، أي تاريخ عقد القران بين حبيبته والمهاجر. أنكرت منى كل صلة بالموضوع حين واجهها خالد بمعلوماته، ليقسم لها بأغلظ الأيمان أنه على استعداد للقيام بما لا يمكنها أن تتخيله ليمنع إتمام هذا الزواج.
 
 ليلة حزينة صبيحة الرابع والعشرين من يونيو 2007 تلقت عناصر الدرك الملكي التابعة لمنطقة المهاية مكالمة هاتفية تفيد بوقوع حادثة سير مميتة عند مدخل هذه الجماعة القروية وأن شجارا ضاريا وقع بين أشخاص كانوا موجودين في السيارة التي صدمت موكب عرس قادم من مكناس. وهو ما وقفت عليه سرية الدرك الملكي بعين المكان لتباشر إجراءاتها القانونية. تم اعتقال المتسببين في الحادث وطلب الإسعاف للمجروحين أو القتلى ليتم نقلهم إلى المستشفى على الفور.
 
 بعد ما انتقل الجميع إلى مركز الدرك، لم تتأخر أخت منى كثيرا في التعرف على خالد الذي كان على متن السيارة التي تسببت في مصرع زوج أختها، لتتبنى الأسرتان معا فرضية القتل العمد في الحادثة بعدما استرسلت الأخت في التعريف به للجميع، بمن فيهم عائلة العريس. إلا أن عناصر الدرك الملكي أفرجت عن خالد ومن معه مكتفية بتسجيل محضر للجميع بتهم الضرب والجرح. وفيما تصر الأسرتان، اللتان اتحدتا ضد «الجاني» على اتخاذ كافة التدابير القانونية من أجل إثبات ضلوعه في عملية قتل مدبرة بحادثة سير، لا يزال خالد حرا طليقا يحملق في عيون الجميع مرددا أن المشكلة برمتها ليست سوى حادثة سير. والأغرب أن منى ماتزال مختفية عن الأنظار منذ ليلة الحادث