|
|
أهميّتُها التاريخيّة تسنّى للبنان القيام بدورٍ بارز عبر المراحل التاريخيّة التي مرّت بها هذه المنطقة من العالم. وعدلون كإحدى القرى اللبنانية الساحلية كان لها أن اضطلعت بدور تاريخي معيّن في مختلف المجالات وعلى كل الأصعدة. ففيها يوجد مقام ديني لنبي مجهول الرسالة، ومجهول الحقبة التاريخيّة التي عاش فيها، يدعى النبي ساري، تقدّم له النذور ويملك من الأراضي الزراعيّة – بشكل أوقاف دينية – حوالي خمسين دونماً. ولدى سؤال العلاّمة السيّد علي مهدي إبراهيم عن رسالة وتاريخ هذا النبي أشار إلى أنه لا يوجد نبي عربي بهذا الإسم وقال إنه يُرجّح أن يكون ساري هذا قائداً عسكريّاً إسلاميّاً توفّيَ في هذه المنطقة ودُفن فيها وبُني له قبّة ومزاراً وتعارف الناس خلفاً عن سلف على أنه نبي وعلى هذا الأساس يقدّمون له النذورات وهذا دينيّاً معقول ومقبول. ومهما يكن من أمر فإنّ هذا يعني أنّ عدلون كان لها دورٌ تاريخيٌ هام غير معروف ولا مكتوب وجاءت قبل ذلك الحضارة الفينيقيّة التي اتجهت أول ما اتجهت نحو البحر. فمخرت عبابه إلى العالم، تنقل إليه ما استطاعته من تقدّم في كافة المجالات، وتأخذ عنه ما تحتاجه وتفتقر إليه. وكون قرية عدلون قريبة من البحر أتاح لها القيّام بدور تاريخي بارز يتضح من الآثار الفينيقيّة التي تُكثر فيها، من نقوش صخريّة ونواويس. وما توصّلت إليه الحفريات القليلة التي قام بها خبراء الآثار حتى الآن من تحفٍ وأدوات فخّارية ومصادر أوّلية تاريخيّة أخرى، التي عُثر عليها وبشكلٍ خاص في مغاور عدلون. وما عثر عليه الأهلون وبمحض الصدفة وهم يقلبون أرضهم بغية الزراعة في منطقة أبو زيد الزراعيّة، وغيرها والتي تقع على شاطئ البحر من توابيت مصنوعة من الرصاص وتماثيل، وجرار فخّاريّة، وأحجار مصقولة، كانت تستعمل في بناء البيوت وبكميّات ضخمة حتى أنه يقال إنّ الكثير من منازل القرية المبنيّة من الحجر، نُقِلتْ أحجارُها من هناك. وعُثِر أيضاً في تلك المناطق على آثار بعض المقابر والأساسات التي تُقام عليها البيوت، وعُثِر كذلك على قنوات مائيّة تنقل المياه من عين البستان في سفح الجبل ولمسافة عدة كيلومترات إلى تلك المنطقة. ومما هو جدير بالإعتبار أنّ هذه الدلائل تشير إلى أن عدلون كانت قائمة على شاطئ البحر وليس في موقعها الحالي. حيثُ كانت طبيعيّة إذّاك تلك العلاقة الوطيدة بين عدلون الفينيقيّة والبحر. ويدعم هذا الإفتراض أيضاً الإعتبارات العلميّة القائلة بنشوء المدن والقرى على شواطئ البحار ومجاري الأنهار. ومن الناحية الأخرى، ما دام همّ الفينيقي موجّهاً نحو البحر، فلماذا تنشأ قرية فينيقيّة بعيدة عنه في وقت يمكن لهذه القرية أن تنشأ على شاطئه؟ وتقول كتب التاريخ أيضاً، إنّ عدلون والصرفند اشتهرتا بصناعة الصباغ الأرجواني، وتمتاز عدلون أيضاً بشاطئها الذي يصلح لأن يكون حوضاً لصناعة السفن وميناء لرسوّها، وإبحارها وذلك لاتساعه وخلوّه من التيّارات البحريّة والرياح التي تشكّل خطراً حقيقيّاً على الملاحة البحريّة وبعد الحضارة الفينيقيّة، لم يقف التاريخ مطوّلاً أمام عدلون بل كان يمرّ بها اسوةً بباقي القرى اللبنانية، التي كانت تتخفّى أدوارها خلف أدوار المدن الرئيسية التي عاشت العصور التاريخيّة المتتالية. وهذا يتّضح من ندرة الآثار المكتشفة، والتي تشير من قريب أو بعيد إلى تلك العصور التي تلت العصر الفينيقي، رغم الآثار الكثيرة التي تنتشر في أنحاء مختلفة من القرية، وليس من يسأل أو يهتم لهذه الآثار التي يندفن معها قسم ليس بالقليل من تاريخنا العريق. وعدلون التي انتقلت مع المراحل التاريخيّة التي مرّت بها هذه المنطقة من العالم شاركت في صنع الحضارة مع صانعيها، فقاتل رجالها إذ كان يدق النفير، وآثروا السكينة حين كان لا بد من المهادنة والسلام. وكان يساعد إنسانها في كل ذلك البحر وأهميّته لهذه القرية وإمكانيّاتها الزراعيّة الهائلة، وقربها من المدن الرئيسة إذ ذاك صيدا وصور وسهولة الإتصال بهذه المدن التا ريخيّة المهمّة
|
|