مرحباً     عدلون     البلدية     تاريخ عدلون     مقالات     بين الأرض والإنسان     خواطر وأشعار     مراسلات     وجوه من عدلون     أصدقاء عدلون     منوّعات     قصص من الواقع     في بلاد الإغتراب     أخبار عدلون     تلفزيون عدلون     مساهمات     فن الزيتون في عدلون     لوحات فنية     دردشة     wassef      
إساف ونائلة
يا رحبَ المدى والمحتدِ
أبو مروان
القصيدة الكحيانية
المعلّقة الكحيانية
فيروز
أبو رياض
يستوعب الدهر
شيء نازل من السماء
الحب في العصر الحجري
مأساة إخلاص
أسطورة العين الزرقاء
الوداع
مولد دارين
وفاء إخلاص


عندما جاء يونس لطلب يد إخلاص سألت زوجة أبيها: «يا عمتي نجلا شو قولك؟». فردت نجلا قائلة: «لقد خلع حذاءه وجلس على الطراحة. يعني هو مثلنا، يشبهنا».
جرى اللقاء الأول بينهما خلال زيارة إخلاص منزل أهل يونس للتعزية بوفاة والده، عرض عليها إيصالها بالسيارة إلى منزل أهلها، وكان يريد في الوقت نفسه إيصال عمتيه، فقبلت بعد تردد. خلال الطريق أوحى لها أنه يريد التحدث اليها على انفراد، بعدما جرب توصيل عمتيه قبلها، لكنها رفضت وطلبت منه إنزالها.
بعد مرور ذكرى أربعين والده، أرسل والدته لزيارتها. تحدثت إليها من دون أن تعرّفها بما تريده. ثم عادت مع ابنتها بعد ثلاثة أيام من الزيارة الأولى، بحجة أنها أضاعت مفتاحا تريد السؤال عنه، ونقلت اليها رغبة ابنها بالزواج بها.
شعرت إخلاص بالاحراج عندما طلب يونس يدها. لم تشعر بأي عاطفة تجاهه، لكنها وافقت على فترة خطوبة لمدة ثلاثة أشهر، لكي تختبر مشاعرها. قال لها عندما زارها للمرة الأولى وهما خطيبان إنه لا ينام وهو يفكر بها، فردت بعفوية: «والله أنا عم نام وكتر».
بدأت مشاعرها تتحول تجاهه خلال فترة الخطوبة، لكنها كانت شديدة الارتباط بأهلها، فقد توفيت والدتها وكانت هي الصبية في المنزل، تولت رعاية شقيقها الصغير الذي صار ينام إلى جانبها بعد فقدان أمه، وقد عبر عن غيرته الشديدة من يونس، وأخذ يطلب منها كل ليلة قبل النوم خلع محبسها لأنه لا يريد لرجل آخر أن يأخذها منه.
بعد الزواج أغرمت به، حتى قالت له ذات يوم «أتمنى لو أموت قبلك ولو بيوم واحد لأني لا أحتمل موتك».
جرب السفر إلى تشاد في افريقيا بعدما عرض عليه العمل هناك، لكنها كانت حاملاً بابنتهما البكر سارة، فطلبت منه الانتظار حتى ولادتها، ثم سافر بعد مجيء سارة بثمانية أشهر، وسكنت هي في غيابه عند أهله. لم تستطع تحمل غيابه أكثر من أربعة أشهر فطلبت منه العودة. عاد في زيارة قصيرة، وعندما حضّر نفسه للسفر من جديد خبأت له جواز سفره، ولم تعده له إلا قبل ساعات من موعد إقلاع الطائرة.
لكنه رد عليها قائلا انه لن يسافر ما دامت هي لا تريد ذلك. افتتح محلا لصناعة الحلويات الافرنجية في بلدته عيتا الشعب، وزرعت إخلاص دونم تبغ لمدة سنتين وادخرت المبلغ المالي لذي حصلت عليه من بيع المحصول، من أجل مساعدة زوجها في بناء منزلهما، كما باعت ما تملك من مجوهرات.
عندما أنهى يونس بناء المنزل وسدد كلفته وقعت الحرب.
كان يخبرها أنه في قسم التعبئة في «حزب الله»، وأن ذلك لا يعني التفرغ. طلب منها ذات مرة أن تجلب له ورقة من درج الخزانة. ظنت أنه سوف يخبرها عن أمر تفرغه بالحزب، لكن بعد أن طلب منها قراءتها تبين أنها قصيدة شعر كتبها لفتاة أغرم بها قبلها، فضحكت وعرفت أن زوجها غير متفرغ.
لدى وقوع عملية أسر الجنديين الاسرائيليين في عيتا الشعب، كانا يتناولان طعام الفطور في منزلهما مع طفليهما سارة وكان عمرها ثلاث سنوات وعلي الذي كان في شهوره الأولى. خرج إلى الشارع لاستطلاع ما يجري، وعاد ليطلب منها أن تحمل بعض الملابس والحليب لطفليهما، لكي تقيم عند أهله، ثم طلب من شقيقه أن يوصله.
ندهت له سارة: «لوين رايح يا بابا»، فلوح لها بيده: «باي»، ثم غادر. لم تسأل شقيقه بعد عودته إلى أين أوصل زوجها، عرفت لوحدها، ثم أخذت تبكي بصمت. عندما دُمرت الدبابة الاسرائيلية بعد ساعتين من عملية الأسر حملت ولديها وذهبت إلى بيت أهلها، وكان أن قضت فترة الحرب معهم.
عاد يونس عصر اليوم نفسه والتقاها عند أهلها وسألها إذا جلبت ملابس لولديه، لكنها أجابته بالنفي. قصد المنزل وجلب ملابس لها ولولديها بالاضافة إلى الحليب والحفاضات، وقال لها: «لا تخافي رح ظل طل عليك». أخرج نقودا من جيبه لإعطائها إياها، لكنها ردت: «ما بدي مصاري أنا عند بيت أهلي»، أخذت منه فقط عشرين ألف ليرة، ثم أرسل لها بعد بضعة أيام مبلغ خمسين ألف ليرة. ظل يتصل بها يوميا لمدة خمسة عشر يوما على بدء الحرب.
«كان زوجي وفيا»، تعلق إخلاص. زارني خلال فترة الحرب خمس مرات، يطل علي وعلى سارة ومحمد ويروح.
تضيف: «في المرة الأولى التي زارني فيها، تغير شكله علي، كان يرتدي ملابس غير ملابسه. بنطلون أسود اللون وجاكيت رياضية زيتية وقبعة سوداء ولحيته أطول من المعتاد. دخل علينا وسلم على والدي وإخوتي وقبلهم. عندما جاء دوري مد يده ومددت يدي وسلمنا على بعضنا من بعيد، خجل من الاقتراب مني أمام أهلي وأنا خجلت. لكن بعد قليل اختليت به في الممر الذي يفصل بين غرف الأرضية حيث كنا نختبئ، احتضنني وأمسك يدي وقال لي «سامحيني يا إخلاص».
نظرت اليه وأجابته وعيناها مغرورقتان بالدموع: «انا مسامحيتك» ولا تزال تنظر اليه حتى اليوم في الصورة وتقول له: «يونس أنا مسامحيتك».
بعدما غادر، تحدثت إلى فاطمة زوجة أخيها وأخبرتها بما طلبه منها، وسألتها: «ليش طلب مني اللي طلبوا؟ شو بدو يصير؟».
تقول: بعد خمسة عشر يوما من إقامتنا في الأرضية نادى الجيش الاسرائيلي عبر مكبرات الصوت طالبا من أهالي عيتا إخلاء البلدة، فقلت لأبي: «ما بدي روح من دونك ومن دون زوجي». جاء يونس لزيارتها في اليوم نفسه فوجد النوافذ حيث تقيم مفتوحة، طلب منها إقفالها قائلا: «إن أي شظية طائرة سوف تقتلك أنت وسارة ومحمد»، ثم أخبرها أنه من المستحيل أن يدخل الاسرائيليون إلى عيتا.
تضيف: «جلب لنا مواد غذائية ومياها وحليبا، وتمنى علي أن أطبخ الطعام من أجل سارة» ثم غادر قائلا لها: «لن تريني حتى انتهاء الحرب».
لكنه عاد خلال الهدنة وطلب منها مغادرة عيتا مع أهلها، ذهب لكي يأتي لهم بالوقود، فخرجت مع أهلها وولديها تنتظره قرب السيارة.
لا تريد إخلاص أن تنسى مشهد الوداع الأخير مع زوجها لأنه يلوعها حتى اليوم: « وقف إلى جانب الطريق، سلم من البعيد وقال لي ديري بالك على حالك وعلى سارة ومحمد. غادر من دون حتى أن يحتضن ولديه، وكانت هذه المرة الأخيرة التي شاهدته فيها».
صباح يوم وقف إطلاق النار، ذهبت إلى أحد محلات الألبسة الرجالية في صيدا حيث كانت تقضي فترة النزوح، اشترت له قميصا وبنطالا وبطاقة للتلفون وقالت لنجلا: «ليكي شو اشتريت ليونس». عرف أهلها باستشهاد يونس لكنهم لم يخبروها، نظرت اليها نجلا ولم ترد.
نزلت في طريق العودة من صيدا في منزل شقيقتها في عدلون، هناك أخبروها عن استشهاد يونس، غابت عن الوعي ولم تستيقظ إلا في المستشفى. أبقوها في عدلون ثلاثة أيام، لكنها لم تعد تطيق البقاء أكثر. قالت لأهلها: «ما بقى فيي بدي روح على عيتا شوف يونس».
رفضت النزول في منزل أهلها وطلبت العودة إلى منزلها، وجدت قميصه وبنطاله على أحد المقاعد وكان قد خلعهما واستحم في المنزل خلال فترة الحرب، طوتهما وضمتهما وشمت رائحته ولا تزال تحتفظ بهما مطويين في الخزانة. تقول: «أضمهما كل يوم وأحيانا أكثر من مرة في اليوم».
طلبت من رجال الحزب أن تراه بعد استشهاده، لكنهم رفضوا، لأنه كان قد مضى على استشهاده فترة كبيرة، تبين في ما بعد أن يونس كان أول شهيد في عيتا، خافوا عليها من عدم احتمال المشهد، لكنها شاهدت موكب تشييع الشهداء في عيتا، عبر شريط فيديو مصور ورأت جثمان يونس وهو ملفوف بالنعش. تقول: «كنت أعتقد أنه مشوه، لكنه بدا سليما، زعلت كثيرا من رجال الحزب لأنهم لم يدعوني أراه وأضمه حتى وهو ملفوف بالكفن. ولو! هيدا يونس حبيبي».
ترفض إخلاص أن تصدق رحيل يونس. عندما غسلت الملابس للمرة الأولى بعد استشهاده انتبهت الى أن ملابسه غير موجودة، فقررت أن ترتدي قمصانه القطنية وتغسلها لكي تبقى بين الغسيل.
هي اليوم ترتدي قمصان زوجها القطنية وتنتعل مشايته المنزلية. ترفع شعرها الطويل الناعم بمشبك للشعر. عيناها واسعتان وجسدها نحيل. تقول إن وزنها نقص عشرة كيلوغرامات منذ استشهاده. لكنها ما زالت تحتفظ بملامحها الجميلة، فهي صبية بلغت الثلاثين في حزيران الماضي. أقامت له مجلس عزاء في عيد زواجهما الذي صادف في حزيران ووزعت الشوكولا والبسكويت.
أهملت الحقل أمام المنزل وأحواض الزهور، عاما كاملا. لكنها هذا الصيف، نظفت الأحواض وزرعت فيها زهورا ستعود لتنمو من جديد.

 

السفير