في أحد الأيام كنتُ عائداً بالطائرة إلى لبنان وكان معي ابن أخي محمود وجلسنا بمحاذاة فتاة محجّبة إذ أنّ صفوف المقاعد في الطائرة تحتوي على ثلاثة أماكن متصلة، جلستُ أنا في الوسط، والفتاة إلى يميني ومحمود جنب الشباك إلى اليسار ولم أشأ أدخلُ في حديثِ تعارف مع الفتاة، لأنّ المحجّبات حسبَ ظنّي، يحتجبن عن الكلام أيضاً مع الرجال الأجانب (ألأجنبي حسب الشرع بالنسبة للمرأة المسلمة هو كل من يجوز أن يتزوّجها) وكان من عادتي في تلك الأيام
أن أتناول كأساً من البيرة كلما سافرتُ في الطائرة وهذا يخفف عني شيئاً ما من عناء السفر فطلبتُ من المضيفة بيرةً مصقعةً بعد أن اعتذرتُ من جارتي. وكان محمود يحدّثني من حينٍ لآخر ومحمود يحدّثُ عادةً بكلّ جوارحه ويستعمل كل الفضاء المتاح أمامه فيحرك ذراعيه في كلّ الإتجاهات لتوكيد فكرته وفي انفعال منه ضرب بيده كأس البيرة غير قاصدٍ طبعاً فطارت البيرة وانسكبت على أختنا المسكينة فانتفضت في الحال وانتفضت معها أختٌ لها كانت تجلسُ خلفنا واسرعتا الى مؤخرة الطائرة لتغتسلا من هذا الشرّ المستطير. ثم لمّا جاء وقتُ ملء القسيمة التي نسلّمها للأمن العام عند الوصول تسنى لي أن أقرأ اسمها فهي من عائلة جنوبية معروفة أشتهر منها مرجعٌ شيعيٌ كبير فأكثرت حينئذٍ من الإعتذار وظننتُ أنّ الأمر انتهى هكذا لكن بعد أن وصلنا قال لنا أحد المستقبلين أن طائرتنا كانت تُقِلّ ابنتي السيّد الفلاني حينها أعدنا القصة على مسامع مستقبلينا في سيارتنا بعد أن خرجنا من المطار وكان معنا أحد الشعراء الذي رفض أن نذكر اسمه هنا ، أعجبته المناسبة وأخذ ينظم أبيات القصيدة التالية أرادها أن تفوق في عدد الأبيات معلقة امرؤ القيس المؤلفة من 96 بيتاً وأسماها المعلّقة الكحيانية أما لماذا هذا الإسم فهذا ما سنشرحه في موضعٍ أخر من هذا الموقع لاحقاً إنشاء الله والقصيدة تفترض أن اسم الفتاة (أسماء دخل الله) من عيناثا وكانت عيناثا محتلة في ذلك الزمان
أسماءُ ما أبهى الطلّة يا بنت الأرض المحتلة
وجهُكِ إهليلجُ أقمارٍ وحجابُكِ ناصعُ كالفلّة
ونقاءٌ في النظرةِ يبدو كربابٍ يا ابنةَ دخل الله
فتّاحُ البيرةِ محمودٌ آذى وأصابتْكِ الجفلة
وجمالُكِ سحرٌ أخّاذٌ فتّانٌ في أحلى حلة
مولاتي عفوكِ لا تقسي بدعائكِ يا بدر الهَلّة
إطلالةُ نورٍ وهّاجٍ وخدودٌ لضمير الغلّة
عطشانُ لو تطفي ظمأي في لثمةِ خدٍّ .. أو نهلة
يا باقةَ وردٍ جوريٍّ يا ظبيةَ (فارسَ) يا وعلة
أسماءُ حذاري مجنوناً برهومٌ عنترُ يا عبلة
بحجابِكِ تنتظِمُ الدنيا وقوامُكِ بانٌ يا جذله
كعروسٍ في الروبِ خطرتِ وحواليكِ هزجت شلّه
برهومٌ كان يرامقك ويزيدُ بطينتكِ البلّه
طرشاتُ الخمرِ بحلّتِكِ همٌّ .. للبالِ غدت شغله
مولاتي عفواً لم أقصد إزعاجَكِ في هذي الجولة
حدّقتُ بأسماءٍ حتى بفؤادي انتابتني .. العِلّة
فالشفةُ السفلى دالعةٌ عسّالةُ حبٍ .. منهلّه
والشفةُ العليا دانيةٌ كقطوفِ فواكه .. في زحلة
والعنقُ العاجيُّ الحاني كالنسرِ الحائمِ..في التلّة
والفجوةُ ما بينَ النهدينِ كجدولِ..رفدٍ..من دِجله
والصدرُ يموجُ .. برمّانٍ ما أطيبَ طوقهُ .. أو حملَه
ذبحتني لفتةُ عينيها غزلتني..ما أشهى الغزله
تبدو كالمهرةِ .. جامحةً من شبقٍ .. كمْ صهلتْ صهله
صرعتني رفّةُ هدبيها قتلتني .. ما أهنا القتله
أنفٌ أقنى... نظّارات كادت تخفي لونَ المقلة
والشوقُ بأحشائي زخمٌ بركانٌ صبّ لظى حوله
والأنثى الحلوة مدعاةٌ لحنانٍ من أطيبِ جبله
أمسكتُ يديها فاستلقتْ في مقعدِها انسدلتْ سَدْله
كالشمعةِ شعّتْ في ألقٍ والقلبُ بصدري كالطبلة
فشددتُ يديها..صدّتني حاولتُ..ازأرّتْ..كالشبله
وحنوتُ عليها.. فارتابت وانصاعتْ..وجنيتُ..القبله
فصلتني عنها...عاذلةٌ ومضيفةُ في أبشعِ خصله
وتراخَتْ في حضني شلواً تنفرُ في ذعرٍ ..كالسَخْله
ترميني نظراتٌ حرّى وكصاجِ خبيزٍ أو ملّه
فأصيبتْ عيناي بومضٍ والسهمُ استودعني نصله
فوددتُ الموتَ بعينيها وعيوني كم ذرفتْ همْله
ووجومٌ مرتجٌ مضنىً وصدى الطيّارةِ كالنحلة
ومدى أنثىً كانتْ مغنىً كيمامٍ إذ يسحجُ هدله
وقفتْ..محمودٌ واكبها قعدت..برهومٌ حدى قوله
آنستي بنتَ رسولِ اللهِ أبوكِ في رأسِ الحمله
وأنا مرؤوسٌ يا أسما ء وأنتِ وزيرٌ في الدوله
وكلانا في باريسَ رؤىً ونمثّلُ في نفسِ الحفله
قالوا هل نلتَ منَ الأسما حباً .. هل صرّفتَ العمله
هل غصتَ ببحرِ مودّتها أم عمتَ بموجاتٍ .. ضحله
وهلِ العذراءُ رنتْ شوقاً أم كانتْ ناعمةً.. صُلّه
هل تقطفُ من ثمرٍ فجٍّ أو تأكلُ خسّاً أو ... بقله
فأجبتُ وروحي مطفأةٌ وكأني.. مبتاعٌ بغله
يا صاحِ اتركني في دعةٍ حُلّ عنِ الظهرِ .. ولو شقله
أسماءُ أكرمُ آنسةٍ أسماءٌ... ما كانتْ نذله
غرسٌ من مغرِسِ عاملةٍ وبباريسٍ ... أحلى شتله
وأصيبتْ عينايَ بسحرٍ والأسما سيفاً مستلّه
هزّتْ رأساً ونضتْ ثوباً كالفارسِ إذ ذاقَ الوهله
وجمالٌ حطّمَ أضلاعي وكراعٍ يستوقفُ إبْلَه
أصبحتُ جديلاً في دنفٍ مغمىً مطروحاً في السهله
صدري مكلومٌ مضطربٌ وأنا عن أسما في غفله
تاهت في الصمتِ ومعصمُها دغدغني لاأنسى فضله
وأجابت: حزبُ اللهِ لنا لكني .. لم أفعلْ .. فعله
والصبغةُ لا تعني صفتي ونسيجي ما استرعى نوله
وأنا طالبةٌ يا برهومُ ولستُ بصاحبةِ الصوله
شهقتْ والدمعُ بعينيها وروتْ لي مذْ كانت طفله
ظلموها في أم الدنيا والباريسي رمى ثقله
فمسحتُ دموعاً بكلامٍ أختاهُ رويدكِ يا حجله
جالستُ فتاةً مؤمنةً تستقبلُ واجهةَ القبله
ونأتْ عني في جلستها خذلتني كم تحلو الخذله
زهرُ الجلنارِ بمبسمها تبدو بحياءٍ مخضلّه
أسرتْ روحي بأناقتها تخطرُ والحسنُ لهل بذله
أسندتِ الخدَّ براحتها كالقاضي يستوحي عدله
أو كالبرّاجةِ في بختٍ إذ تفرشُ منديلِ الرمله
وأنا أرنو في ساعتها ودقائقُ ترتادُ المهله
وحليٍ ترقصُ في يدها تغري بالخطبةِ والدُّبْله
آهٍ لو أخطبها يوماً يا سعدَ لقاءٍ يا هوله
والأسما أنثى رائعةٌ شيعيةُ .. من أسمى ملّه
يا محمودُ ابن أخي مهلاً لا ندري ما هذي العمله
هذي أمةُ اللهِ اغتسلتْ بالبيرةِ هيهاتِ الذُله
هذي أسماءٌ .. سيّدةٌ وكزينب تبدو أو خوله
ما شانَ الأخيارَ حجابٌ بعبايتها صارت طَفله
ما رأيُكِ يا أختاهُ إذا بالمقهى قضيّنا الليله
أهلُ الطيارة مضيافٌ وعذولٌ ما أقسى عذله
ومضيفاتٌ مثلُ جواري هارونَ قواعدُ مختلّه
كسعالٍ زينتهن طلا ء تصنّعُ قد وارى أصله
أما أسماءٌ فملاكٌ وصفاءٌ يا طيبَ الخلّه
روّاجةُ عشقٍ مكنونٍ لم نعرفُ طعمهُ أو شكله
والشوقُ سناءٌ وبهاءٌ لو أحوي بعضه أو جلّه
حتى أملكَ نصفَ الدنيا أو أرفلُ في النعمى رفله
جاء المحمودُ إلى أسما وشقيقتُها مثل الدلّه
تقلبُ كفيْها في قلقٍ لا ندري أسبابَ الزعله
لكنّ الأسماءَ انتفضت كالنادبِ في يومِ الفله
سامحتهما أختي .. شوفي من عاملَ سنبلةُ الغلّة
قالتْ وعدت ضمنَ الممشى ورنتْ وأصابتها السعله
والأختُ الصغرى واجمةٌ والوشوشةُ انخفضتْ نقله
وضحكنَ كواعبَ يا روحي بثلاثٍ تستعرُ الشعله
وسرحنَ وفي الشبّاكِ دنىً وإشارةُ محمودٍ نبله
وأنا استرقُ السمعِ ولم أفقه تلويحاتِ الشمله
وإذا بمذيعٍ في الطيّا رة يعلنُ تتمامُ الرحله
ها بيروتٌ ومطارُ الشو قِ وقلبي انتابته القفله
فغدوتُ كفلاحٍ قرمٍ يستعرضُ كرمهُ أو حقله
ونسيتُ عذارى عيناثا والذكرى كدبيبِ النمله
يا طيرَ الحبّ ارعَ الأسما ءَ وبلّغها شوقي كلّه
وأعرني جُنْحكَ كي أدنو من دخلِ اللهِ ولو وصله