من هنا تتضح أهمية الإستقرار وقيمته العملية في حياة الإنسان، حيثُ لا يعود للطبيعة دورها السلبي في حياته، وإنما تكتسب في هذه الحالة دوراً "إيجابياً" يتزايد بتزايد مقدار عطاء الأرض وتفاعل الإنسان معها، ووسيلته في ذلك أدوات معينة إستطاع أن يستحدثها لتحقيق الحد الأدنى من التوافق المطلوب مع ما تقتضيه ظروف المرحلة المستجدة. ولا بد لهذه المعطيات الجديدة من أن تمد تأثيرها إلى أسلوب حياته، وتطبعها بطابعها المميز، فتحيل اضطراب حياته استقراراً وهدوءاً وأمناً. فلا تعود فصول السنة المتتابعة – بقساوة بعضها أحياناً – السبيل إلى اضطراب حياته وإنما هي بعد ذلك مراحل طبيعية لنمو نبته والثمر
نعم لا بد لهذه العلاقة الجديدة من أن تطبع حياة الإنسان بالهدوء والبساطة، وتجعله بحكم الإستقرار قادراً على إنشاء العلاقات اللازمة مع كل ما يتصل بهم من إنسان وأرض وأدوات. فكان التفاعل بين الإنسان والإنسان بداية طبيعية لإنشاء العلاقات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في إطار من التعاون البنَاء المؤدي إلى تحقيق المجتمع الريفي الذي أخذ يهجر المتطلبات البسيطة ويتجه نحو التعقيد المتناسب مع التطور المتزايد للحضارة البشرية. وكانت قد تحددت كذلك العلاقة وظيفية بين الأرض والإنسان وأصبح العطاء بينهما متبادلاً، فهو يحيل الأرض خضراء تحمل على أفنانها أشهر الأثمار.. وهي تعطيه خيرها .. مادة حياة !! وكان لابد أن يحسَن أدواته ليسهل عليه استعمالها، ويستطيع بها تحقيق مزيد من الإنتاج
والأرض تستطيع أكثر من الزراعة، فهي تحمل في باطنها كنوزاً هائلة من شتى أنواع المعادن وخامات البترول، والإنسان يستطيع أكثر من الرعي والفلاحة، وهنا أخذت تتعقد العلاقة بين الإنسان والأدوات التي في يديه والطبيعة التي تحيط بهما. وكان ضرورياً بالنسبة للإنسان أن يتجه نحو التكنولوجيا والتخصيص في مختلف الأعمال الصناعية والزراعية والتجارية. حيث لم تعد القرية بإمكانياتها المحدودة والبسيطة تكفي متطلبات الظروف الحضارية التي أخذت تسيطر على كل مجالات الحياة لدى الإنسان. وهنا نشأت المدينة لتكمل دور القرية وتخفف عنها ما لا تستطيع عمله. فبساطة الأنظمة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية التي تحكمها، و وضوح العلاقات بين تلك الأنظمة المتقاربة في مفاهيمها ومقاييسها للأمور، تستطيع القرية من خلال كل ذلك، أن ترفض بسهولة كل ما هو جديد وغير ملائم مع روح تلك الأنظمة والعلاقات. وهذا ما يحدث في المدينة خلافه إذ تتباين الأنظمة الإقتصادية والثقافية والإجتماعية وتتعدد المفاهيم والمعايير و التي تستطيع أن تستوعب كل جديد وتصهره في بوتقتها الخاصة، وتفسره في إطار التطور الحضاري العام
وبما أننا في منطقة من العالم تجاوزت مرحلة الري والصيد، وعلى ضوء الفصل بين ما تعنيه الحياة في الريف، والحياة في المدينة، نتناول موضوعنا العلاقة الوظيفية بين الأرض والإنسان في قرية عدلون. على اعتبار أن بلدة عدلون بظروفها الموضوعية تنتمي إلى الريف بأبعاده الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. ولا نتناول هذا الموضوع لنعرض لمشكلة قائمة أو لنضع حلاً لها وإنما لنعرض لظاهرة العلاقة الوظيفية والعطاء المتبادل بين الأرض والإنسان في هذه القرية التي لا يملك أهلها سوى حوالي 18 بالمئة فقط من جملة الأراضي الزراعية في القرية والتي تتوزع على عدد محدود من أسر البلدة وبمساحات متواضعة جداً لاتكاد تعفيهم من العمل مع الباقين من سكان القرية ولقاء أجرهم اليومي
ويترتب على نظام الملكية هذا ظروف إقتصادية، لا تعبر عن عطاء متكافئ بين الأرض والإنسان الذي يعمل فيها. كيف تبدو هذه العلاقة وما هي الظروف والعوامل التي أدت إلى ظهور العلاقة وتكريسها بهذا الشكل
وما العلاقة بين الأرض والإنسان في أبرز حالاتها، إلا نموذجاً لنظام إقتصادي من خلاله يستطيع هذا الإنسان تحقيق مستوىً معيّناً من العيش اللائق. ولما لا يستطيع نظام إقتصادي معيّن أن يحقق لهذا الإنسان ما يطمح إليه من العيش الكريم، فان يتحوّل إلى التفكير والعمل في ظل نظام إقتصادي آخر. ومن هنا تبدأ الهجرة وبأشكالها المختلفة. فماذا كانت نتيجة التفاعل بين الأرض والإنسان في هذه القرية
والإنسان لا يعيش في ظل النظام الإقتصادي وحسب، بل يعيش في ظل أنظمة إجتماعية متكاملة، لا يعدو النظام الإقتصادي أن يكون واحداً منها، يتداخل معها، يؤثر ويتأثر فيها. إلى أي حد يظهر تأثير النظام الإقتصادي في الأنظمة الإجتماعية الأخرى السائدة في عدلون
والنظام الإقتصادي هو الأداة التي يستطيع بها الإنسان أن يبني بيتاً يأمن به شر الطبيعة، ويواكب التطور العلمي والتكنولوجي في عالمنا المعاصر، ويحافظ على صحّته، ويلبي لنفسه ما يستطيع من حاجيات. فأي مستوى من الحياة استطاع هذا النظام أن يحقق لسكان هذه البلدة؟
ثم.. و إلى أين بعد ذلك على طريق التطور التلقائي لقرية عدلون التي تملك من الإمكانيات الكثير؟ وماذا تستطيع لها على هذا الطريق؟
هذا هو الإطار الذي سنلتزمه في بحثنا آخذين بعين الإعتبار الأمور التالية
أولاً: إنّ هذه القرية والمنطقة التي تحيط بها لم تخضع لأي دراسة من هذا النوع من قبل. وليس هناك ما يرجع إليه الباحث في هذا السبيل إلا الواقع كما هو
ثانياً: الإحصائيات المعتمدة في البحث ليست قطعيّة، وإنما هي إحصاءات تقريبية وذلك لعدم وجود الإحصاءات الدقيقة التي يمكن لها ترجمة الواقع بالأرقام
ثالثاً: لم تأتي كتابتي للبحث من خلال المعلومات التي حصلتُ عليها بطريقة أو بأخرى وحسب، وإنما من خلال حياتي الكاملة التي عشتها، هناك والتي أتاحت لي فرصة معرفة جوانب كثيرة من الحياة في تلك القرية
رابعاً: لا نستطيع من خلال بحث له طبيعة بحثنا، وبالمدة الزمنية المتاحة له، والإمكانيات المحدودة المستخدمة فيه، أن نتناول كل موضوع البحث. وإنما من خلال هذا البحث، نستطيع أن نرقب ونفسّر بعض الظواهر التي تبدو بارزة في هذا المجال
خامساً: لم يكن لظروف السرعة التي يجب أن يُنجزَ فيها هذا البحث، أن نختار عيّنة أكبر من النسبة الحالية، والتي لكونها تمثّل 10 بالمئة من مختلف الفئات في القرية، لم تأتِ بمعلومات دقيقة إلى الحد الذي يمكن معه إستخلاص نتائج أكيدة أكثر ودقيقة أكثر
سادساً: إنّ معظم أسئلة الإستمارة مأخوذة عن رسالة الماجستير التي أعدّتها الأستاذة مها المقدِّم عن قرية إيعال في شمال لبنان
سابعاً: إنّ الدراسة تركّزت على سكان قرية عدلون الذين يقطنون فيها، وخصوصاً الذين تربطهم علاقة مباشرة ويومية بالأرض التي يعملون بها
وقد اعتمدْتُ في تحليل الظواهر الإجتماعيّة طريقة ربطها بماضيها والطريقة التي تطوّرت بها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. إلا أنّ تاريخ الظواهر تلك ليس تاريخاً دقيقاً ومحدداً بل يغلب عليه طابع الشمولية والعموميّات وذلك لعدم وجود المصادر التاريخيّة العلميّة الدقيقة التي نستطيع من خلالها الوقوف على تاريخ وسير تطورها بالتحديد. حيث أنّ مصادرنا التاريخيّة كانت ذاكرة المخبرين والأخبار التي يتناولها أبناء القرية عن كيف كان يعيشُ آباؤهم وأجدادهم في قرية عدلون؟
ونتمنى بعد كل هذه العقبات أن نكون قد استطعنا أن نعطي صورة متواضعة عن الواقع المعاش في هذه القرية الوادعة، ونتمنى كذلك أن نكون قد استطعنا إلقاء بعض الأضواء على المشاكل التي تعاني منها عدلون والتي كانت نتيجة لطبيعة العلاقة بين الأرض والإنسان ونتيجة الصراع الحضاري الذي تعيشه القرية في زماننا هذا. ونتمنى بعد ذلك أن لا نكون قد شوّهنا صورة العلاقة الوظيفية التي تربط إنسان قرية عدلون بأرضها الطيبة المعطاء