عُرنثون، عدلون القديمة، مدينة العصافير
في بحثنا الأول عن إسم عدلون تبين لنا بما لا يقبل الشك أن التسمية رومانية من عبارة لاتينية وهذا الإسم جاء مع الرومان ولم يكن قبلهم وغلب الإسم المعمول به إلى حين وصولهم وحلّ محله فماذا كانت تسمى بلدتنا قبل ذلك التاريخ؟ إن عدلون حسب ما هو موجود أمام ناظرينا من آثار أقدمُ بكثير من العهد الروماني ولم تكن مجرد محطة طُرُقيّة يتوقف فيها المسافرون ويبدّلُ فيها بريدُ الدولة الخيول المرهقة، ينالون قسطاً من الراحة ثم يتابعون سيرهم. فهذه النواويس الكثيرة لم تحفر في الصخر لدفن المسافرين، إذا شاءت الصدفة وماتوا في عدلون، وعددها الكبير يفوق حاجة قرية صغيرة على قارعة الطريق فلا بدّ إذاً من وجود مدينة كبيرة ومهمة على هذا الساحل الوادع
ولو رجعنا إلى سترابون وهو رحالة يوناني شهير سلك طريق صيدا صور في القرن الميلادي الأول لوجدنا عنده الشهادة التالية: تتوسط المسافة بين صيدا وصور مدينة إسمها عُرْنثون أي مدينة العصافير ثم يليها، والقول لسترابون، إلى الجنوب نهرٌ يصب في البحر ثم يتابع و يقول: من غير هذين الأمرين، المدينة في الوسط والنهر إلى جنوبها، لاشيئ يسترعي الإنتباه على طول الطريق من صيدا إلى صور. سترابون يتجاهل تماماً الصرفند ربما لم تكن ذاتَ شأن في ذلك الوقت أو كانت أقلّ شأناً من مدينة العصافير عرنثون لكن غيره من الرحالة ذكر الصرفند وعرنثون منهم من جعل عرنثون شمال الصرفند ومنهم من رآها إلى الجنوب من الصرفند. ليس هناك من آثار مثيرة للإنتباه كآثارنا بين صيدا والصرفند لهذا إقترح احد الباحثين في القرن الثامن عشر أن يصوب جملة أوردها رحّالة قديم قال: الصرفند وشمالها مدينة عرنثون والتصويب المقترح هو: الصرفند شمال مدينة عرنثون. وهكذا يستقيم المعنى ولا يتعارض مع ما نشاهده على الأرض من آثار
هذه كانت شهادات الرحالة الإغريق القدماء وكلّها مقتضبة تكتفي بذكر الإسم والموقع الجغرافي فقط، ليس فيها أي تفصيل عن حياة هذه المدينة ووضعها الإقتصادي والثقافي والديني. وإذا أردنا معرفة المزيد من التفاصيل فعلينا أن نعاين المواقع الأثرية بأنفسنا أو ننتظر الجهات العلمية المختصة لتكشف عن الكثير من القديم الذي ما زال مخبّأً تحت الأديم
هذه الخريطة من وضع وليم هوغز من إنكلترا نشرها سنة 1843 في مجموعة كبيرة من الخرائط تحت عنوان أطلس العالم وهذا الجزء أقتطعناه من خريطة لسورية القديمة رسمها هوغز حسب المعلومات التي كانت متوفرة لديه عن العالم القديم ونلاحظ أن عدلون بادية بإسمها القديم عرنثون بوليس مع علامة استفهام وبخط رفيع لأن الباحثين كانوا على اختلاف في ما بينهم حول موقع هذه المدينة ويبدو أن وليم هوغز من الذين رجحوا وجود هذه المدينة في عدلون ولكن للأمانة العلمية أبقى علامة الإستفهام وهناك علامة استفهام ثانية على مدينة بالي تيروس وهي المدينة التي هدمها الإسكندر واستعمل حجارتها في ردم الممر بين صور البحرية وصور البرية وبالمناسبة فإن الممر هذا هو ما نسميه نحن اليوم البص وكلمة بص تعني باللاتينية ممر وكذلك بالفرنسية . وهنلك فريق من العلماء يقول أن هذه المدينة هي نفسها عدلون ويستندون على ذلك بقولهم أن عدلون حسب حجم مدافنها لا بد أن تكون مدينة كبيرة واختفائها فجأة ربما يكون بفعل عسكري قام به الإسكندر بعد أن استشار مهندسيه وقواده العسكريين للإطباق على صور البحرية بعدما أجهدت قواه أي أن عدلون كانت ضحية صمود صور ونحن لا نرجح هذا الرأي ولا نعتقد أن عدلون القديمة مدفونة تحت البص. أن عدلون القديمة ما زالت مكانها ولقد درست بفعل غثاء السيول وتراكم الأتربة فوقها وما كان منها ظاهراً هو الخراب بالقرب من الزيرة لأن تسمية خراب لا يمكن أن تطلق على قطعة أرض جرداء بل على قرية مهجورة وبيوتها مهدومة ومبعثرة وأعتقد أن الأهالي الذين سكنوا عدلون الحالية منذ أكثر من مئتي سنة نقلوا حجارتها وبنوا بيوتهم في موقع الضيعة الحالي ولنا عودة بدون شك إلى هذا الموضوع