
عشتروت
عشتروت إلهة فينيقيةٌ دائمةُ الشباب، بارعة الجمال. تسمو بروحها، مرهفة بطبعها، قوية العاطفة، حنونة. في فمها يكمن سرُّ الحياة، ومن أعطافها يعبق العطر والشذا. يكتمل بحضورها السرور، ويشيع مع ابتسامتها الأمن والطمأنينة في النفوس. يشاهدها المؤمنون وهي تجوب الحقول بخفَّة ورشاقة، فتتفجَّر الينابيع خلفها بالماء والعطاء، وتُزهر الأرض بالسنابل والنماء
وقع في غرامها الشعراء، فخلّدوها بأعذب الأوزان وأحلى القوافي. وهام بحبِّها الأدباء، فوهبوها أجمل النصوص الملحميَّة. وعشقها الفنانون، فرسموها على أرشق الأختام الأسطوانية وصنعوا لها أرقى التماثيل التي تكاد تنطق بالحياة. وولع بها الموسيقيون فنغّموها لحناً راقصاً على أوتار العود وفوهة الناي
ميرا
في بلاد آشور، البلاد التي أعطت إلى سورية إسمها. وفي أوّل الدهور، يحكى أن ملكاً إسمه ثياس كان يحكم البلاد بالعدل والقسطاس. وكان عنده إبنة اسمها ميرا رائعة الجمال، فاتنة، ليس لحسنها مثيلٌ أو مضارعٌ في كل أرجاء المملكة. وكانت تحبّ أباها وتقدّر فيه حبه للرعية وحنكته وحكمته. وفي ذات يوم فاخرت أم ميرا بجمال ابنتها كل نساء العالمين من ناسوتٍ وآلهة، وقالت أن ابنتها أجمل من عشتروت نفسها! فتناقلت اخبارها البلاد وتناهى الخبرُ لأسماع عشتروت... فثارت ثائرةُ إلهة الجمال والأناقة والحب. واضطرمت نار غيرتها من ميرا
لقد جاء في التوراة عن ماضي بني إسرائيل قبل أن ينتقلوا إلى التوحيد أن الآلهة كانوا يعجبون أحياناً بجمال بنات البشر. ومن الآلهة من تزوج من فاتنات بشريات فأنجبوا منهنّ أنصافَ آلهة. أي أن بنت آدم البشرية ممكن أن تضاهي بنات الآلهة بجمالها. لهذا أخذت عشتروت تصريح أم ميرا على محمل الجد، وقررت أن تدبر لها ولابنتها ميرا مكيدةً توصمهما بالعار وتلقنهما درساً لن تنساه لا هي ولا ابنتها ولا ثياس نفسه! جزاءً لها لتجرّئها على ذاتها الإلهية. فمنذ متى يفاخرُ البشر آلهتهم بما أنعموا عليهم من حسنٍ وجمال؟
المكيدة

عشتروت بالإضافة لكونها إلهة الحب والجمال فهي إلهة الحرب كذلك وإذا غضبت فليس لغضبها حدود. ولتؤدّب أم ميرا خيرَ تأديب، ذهبت عشتروت إلى كاوي الأكباد كيوبيد.. وكيوبيد هذا هو ابنها صاحب سهام الحب. كان جماله فتان، يقع بحبه كل من رآه. وكان يظهر بصورة طفل في هيئة ملاك بجناحين، ومعه سهم الحب فإذا أصاب أحداً من البشر سبب وقوعه في الحب. وأحيانا كان يصور كأعمى دليلاً على أن الحب أعمى ولا يختار المرء من يحب
أمرَتهُ أمّه عشتروت أن يرمي ميرا بسهام حبٍ محرّم ويشعل فيها شهوةً مجنونة تثمرُ حملاً آثماً. سدد كيوبيد السهم فأصاب إذ رمى بفؤاد ميرا نبلة الحب المجنون. فجعلها تهيم حباً بأبيها. وعندما أخذ الحبُّ من ميرا كلّ مأخذ، وأدركت أن حبها مستحيلٌ، حاولت الإنتحار لولا أن مربيتها لُقيْنَة أدركتها في اللحظة الأخيرة. ولما رأت مربيتُها ما هي عليه من همٍّ وتسهيدٍ، رقّ لها قلبُها واحتالت حتى صارحتها الفتاة بحقيقة أمرها. ورأت أن لا بد أن تساعدها للوصول إلى مرامها، إشفاقاً على حالها... وهذا ما نشاهده في الأفلام المصرية القديمة، المربية أو الخادمة تقفُ دائماً إلى جانب سيدتها الصغيرة، عندما تراها غارقة في الحب.. تتآمر معها وتحتال على سيدها لتخلص الفتاة من ورطتها
قبيل عيد الربيع، اعتادت النساءُ الصوم تسعة أيامٍ قبل بدء الإحتفالات، وكنّ يلبسن ثوب الإحرام ويهجرن فراش الزوجية طيلة هذه المدة. إستغلت المربية غياب سيدتها أم ميرا، واقترحت على سيدها أن تقدم له معجبةً صغيرةَ السن جميلة جداً شريطة ان لا ينظر إلى وجهها عندما تأتيه ليلاً إلى مخدعه. وافق الأب المخدوع. فصارت ميرا تدخلُ عليه في الظلام وتضّجعُ معه دون أن يعرف من أمرها شيئاً. فحملت من أبيها سفاحاً
 جعلها كيوبيد تعشق أباها وتأتيه في الظلام |  عشتروت |
وأبوها ما كان امرأ سوْءٍ ولم تكن هي بغيا، ولكن كيد عشتروت عظيم.. وبعد مرور إثنا عشر يوماً على بدء معاشرة ثياس لابنته غلبه الفضول ورغب في أن يرى وجه عشيقته المجهولة، فأضاء مصباحاً وما أن انكشف له وجهُها حتى استلَّ سيفاً وهمّ بغسل عاره ودفن فضيحته، إلا انها هربت من أمامه وتوارت في الظلام
شجرة ميرا
وشعرت ميرا بالندم الشديد يعصف بها، وقالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسيّا. وهامت على وجهها كئيبةً حزينة، مدة تسعة أشهرٍ، حتى وصلت في تيهها إلى العربية السعيدة أي اليمن. وإذا كانت مريم أم يسوع قد انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً فإنّ ميرا اختارت اليمن. وعاذت بالآلهة مبتهلة إليهم أن يخفوها عن الأنظار فلا تريد أن تكلم بعدَ اليوم أنسيّا، لا حياً من هذا العالم ولا ميتاً من العالم السفلي. جديرٌ بالذكر أن مريم العذراء عندما قالت إني نذرتُ للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا جاءها الوحي بأن تلجأ إلى شجرةٍ: إليكِ بجذعِ النخلة. أما ميرا، فاستجاب الأربابُ لصلاتها وتضرعها وقرروا إنقاذها من الحياة ومن الموت فلن ترى البشر في حياتهم ولا في مماتهم، فحولوها إلى شجرةٍ عُرفت منذئذٍ باسمها شجرة المر. وما زالت تلك الشجرةٍ إلى اليوم تحمل، باللغات الأجنبية، نفس الإسم . وقرروا أن تفقد ميرا شكلها البشري ولكن أبقوا لها الإحساس بالأسى والشعور بالذنب لذلك ما زال ينهمر من هذه الشجرة دموعٌ، هي دموع ميرا المظلومة وبنفس الوقت يفوح من الشجرة عطرٌ زكي الرائحة هي رائحة ميرا الملاك شهيدة الحب، وكما أن المرأة تحيض مع دورة القمر الشهرية، فقد شاءت الآلهة أن يخرج من هذه الشجرة سائلاً طيباً كلما طلع نجم الشعرى اليمانية
ميلاد أدونيس
وبعد تسعة أشهرٍ من عيد الربيع، قضتها ميرا في تيهها في الغابات والجبال إلى أن استقرت شجرةً في اليمن، وفي الخامس والعشرين من كانون الأول ومع طلوع نجمة ميرا نجمة الشعرى اليمانية، وربما لأجلها سموها اليمانية، جاءها المخاض فانشق الجذعُ وخرج فرعٌ من أصل الشجرة، طفلٌ في غايه الوسامه. انه ثمره حب المرأة الجميله وعذابها في سبيل حماية جنينها ومنحه الحياة. وهذا دأبُ المرأة في كل الأزمنة. والأمومة تغلب دائماً مهما اجتمعت ضدها الظروف وحاربتها صروف الدهر. وحضرت ميلاد أدونيس الإلهة عشتروت، صاحبة القلب الكبير، الحنونة والعطوفة، التي صفحت عن ميرا وتوسطت لدى الآلهة ألاّ يتشددوا في معاقبتها. وشاءت أن تقوم هي بنفسها بدور القابلة وكان معها أختها برسفونة والمربية لُقيْنة وبعض الوصيفات

ولادة المخلّص أدونيس من الشجرة ميرا العذراء. كثيرون عندما ينظرون إلى هذه اللوحة لا يلاحظون وجود الأم الشجرة رغم أنّ الرسام بذل جهداً وجعل أربعة أشخاص ينظرون نحوها وواحدة منهم تدل بأصبعها إليها. ويظهر باللوحة عشتروت التي قامت بدور القابلة وعهدت بالمولود إلى أختها برسفونة |
سمّاهُ السومريون تموز ومعناه الإبن المخلّص. ورث شجاعة ودهاء والده، وجمال امه ميرا الفاتنه، تلك الأم الشجرة التي أصلها ثابتٌ وفرعها أدونيس إلهٌ في السماء. أدونيس هو لقبه وأدوني تعني سيدي ومولاي والسين زائدة يونانية
واصبح ادونيس رجلاً وسيما افتتنت به كل نساء الارض... حتى عشتروت وقعت في غرامه .. وتولعت بنار حبه... فانقلبَ السحرُ على الساحر. هي التي تسببت بمصيبة لميرا وعملت على إيذاءها بكل ما عندها من سلطان، أصبحت عاشقة مولّهة بإبنها التي شاءت يوماً أن يكون خنجراً مزروعاً في أحشاء أمه. ها هي اليوم أضناها هواه وبرى جسمَها حبُّه... ترجو من أدونيس نظرة حب أو ساعةً بقربه. لكنه راغبٌ عنها. لا يهمه إلا الإنطلاق إلى الطبيعة وممارسة هواية الصيد في غابة لبنان
 عشتروت تمسح جسد أدونيس المسجى بالعطر كما فعلت مريم المجدلية مع يسوع قبيل مماته | 
عشتروت تهيم حباً بأدونيس الذي يدفعها عنه ليخرج إلى الصيد |
تفاصيل الأسطورة تقول أن عشتروت بعد أن أولدت الطفل من أمه الشجرة ـ ميرا وضعته في مهدٍ خشبيّ وعهدت بالعناية به إلى أختها برسفونة ربة الموت. أغرمت هذه الأخيرة بأدونيس عندما كبر وأثار ذلك غضب عشتروت وغيرتها وتنازعت الأختان على أدونيس فتدخلّ كبير الآلهة الذي قضى بأن يبقى أدونيس مع عشتروت أربعة أشهر ومع برسفونة أربعة أشهر وما بقي من العام لأدونيس حق الاختيار في البقاء مع من يشاء منهما ـ وهذا هو تقسيم السنة إلى ثلاثة فصول كما عرفناه عند الفراعنة، وهي فصل الفيضان ثم فصل البذر، ثم فصل الحصاد ـ فاختار أدونيس عشتروت وهكذا أصبحت عشتروت هي العشيقة الأسطورية لأدونيس. وكان كلما نزل إلى العالم السفلي عند زوجته الثانية برسفونة حلّ الخريف وماتت الطبيعة وتوقف النمو، وكلما صعد إلى عشتروت حلّ الربيع و عادت الطبيعة إلى الحياة من جديد
مصرع أدونيس
لم يرق الحال هكذا لبرسفونة، وأرادت أن تستأثر بأدونيس لنفسها، وقررت أن تميته ليأتيها إلى العالم السفلي ويبقى معها إلى الأبد. وتتابع الأسطورة أن أدونيس خرج للصيد ذات يوم في غابةٍ لبنان بالقرب من مغارة أفقا على ضفاف نهر إبراهيم

فهاجمه خنزير بري وجرحه جرحاً بليغاً، وهرعت عشتروت إلى حبيبها الجريح لتضمّد جراحه وأخذت تسكب العطور على جرحه. وسال الدم الممتزج بالعطرعلى الأرض فانبثقت منه زهرة لونها لون دم أدونيس، ورائحتها رائحة عطر عشتروت. إنها شقائق النعمان. والشقائق جمع شق وهي الجروح، جروح أدونيس لأن النعمان باللغة الفينيقية معناها الوسيم ـ أي النعوم كما نقول نحن اليوم ـ وهي من القاب أدونيس لأنه كان في غاية الجمال وهناك معنى آخر يصلح تفسيراً لاسم النعمان، فقد جاء في لسان العرب أن فعل نعمَ معناه نضُرَ واخضرَّ أي ان النعمان هو الخضر وهذا معقول أيضاً لأنه هو الذي يعطي النضارة والإخضرار للطبيعة كلما يعود إلى الحياة في فصل الربيع حسب اعتقادهم. وما زالت أزهار شقائق النعمان تحمل باللغات الأجنبية إسم أدونيس النعمان . ولم تفلح جهود العناية الفائقة التي بذلتها عشتروت لإيقاف الدم النازف من جرح أدونيس

واستمر الدم بالتدفق حتى وصل إلى نهر أدونيس (نهر ابراهيم ) وصبغ مياهه بلون الدم واستمر النهر يجري بلون الدم أسبوعاً وهي مدة الحداد على أدونيس. ثم أن عشتروت حزنت عليه حتى بلغت حدا أبت تحت رزئه إلا النزول إلى عالم الموتى لترى أدونيس هناك. ورفضت أن تعود إلا ومعها أدونيس، فساءت الأحوال على الأرض وتوقفت، وانقطع النسل، فأرسلت السماء أمراً إلى العالم السفلي بإخلاء سبيل أدونيس وعادت عشتروت إلى الأرض وعاد معها أدونيس على مرأى من عباده الذين قضوا فترة غيابه في ندب وعويل فعادت بعودته الحياة من جديد، وانطلقوا بفرحٍ غامر

عيد الميلاد
ثم جرت العادة عند الفينيقيين وكل العرب القدماء من آشوريين وكلدانيين وبابليين وسومريين، أن يحتفلوا بعيد ميلاد أدونيس تموز. فكانوا يقطعون شجرة من الوعر على أنها ميرا العذراء أم الرب أدونيس، ويزينوها كما تتزيّن النساء بالحلي والذهب والفضة وكل أنواع الزينة وقد جاء في التوراة بهذا الخصوص في سفر إرميا، الإصحاح 01: 2ـ4، وهو ينهى عن الاقتداء بـ 'فرائض' الأمم الأخرى، وبينها تزيين الشجرة: 'لأنّ فرائض الأمم باطلة. لأنها شجرة يقطعونها من الوعر. صنعة يدَيْ نجّار بالقدّوم. بالفضة والذهب يزينونها وبالمسامير والمطارق يشدّدونها فلا تتحرّك. هي كاللعين في مقثاة فلا تتكلّم... دخلت هذه التقاليد المسيحية سنة مئتين وثلاثين للميلاد وكتب في وقتها تريتلان المسيحي غاضباً أن العهر المسيحي جعلهم يتبنون أعياد الوثنيين
 شجرة الميلاد التي تنتصب في البيوت والساحات العامة في مثل هذا الوقت كانت رمزاً لـ ميرا العذراء أم المخلص أدونيس | 
قالب الحلوى الذي يقدم ليلة الميلاد يرمز إلى المخلّص أدونيس تموز الذي ولدته أمه من شجرة فرمزوا له بغصن شجرة |
تقرّرَ 25 كانون الأول ديسيمبر ميلاداً ليسوع لأول مرة في القرن الرابع الميلادي بمرسوم إمبراطوري زمن حكم الامبراطور الروماني قسطنطين. ذلك لأن هذا اليوم كان عيداً وثنياً قبل اعتبار الدين المسيحي ديناً رسمياً للدولة الرومانية. وقرروا أن يستمر هذا العيد في المسيحية كي لا يقطعوا على الناس أعيادهم ومسراتهم، وكان الرومان يحتفلون بهذا العيد لمدة خمسة أيام، يتناولون فيها شتى أنواع الطعام ويسكرون حتى الثمالة باعتبار أن العيدَ عيدُ الخصب حسب الأعياد الوثنية القديمة التي تؤله مظاهر الطبيعة والخصوبة والتجدد. ثم حسبوا تسعة أشهر قبل هذا التاريخ فكان الخامس والعشرين من آذار فقررت أن يجعلوه ذكرى البشارة لميريم حيث يزورها ملاك الرب ويبلّغها مشيئته بأن اصطفاها أماً لابنه الوحيد يسوع. ليس في الإنجيل أي إشارة لعيد الميلاد، ولم يحتفل المسيحيون بعيد الميلاد إلا في القرن الرابع للميلاد. كلمة كلمة فرعونية مؤلفة من مقطعين كريست وتعني المخلص وماس وتعني ميلاد، استعارها الرومان من عند الفراعنة وهي بالأصل لـحورس النسخة الفرعونية ومن أدونيس تموز. أما شجرة الميلاد فيروي المسيحيون عنها قصصاً كثيرة من نسج الخيال تعود للقرون الوسطى. وهي غير صحيحة بالتأكيد لأن شجرة الميلاد مرّ الحديث عنها في التوراة قبل المسيح بقرون. والصحيح هو أن الشجرة تعود للعذراء ميرا أم أدونيس التي تحوّلت إلى شجرة لتلد أدونيس فرعاً منها كما ينبت الفرع من أصل الشجرة
يتبع