
الظروف التاريخية
في العام الرابع قبل الميلاد إندلع تمردٌ يهودي قاده شخص إسمه يهوذا بن حزقيا ضد حيرود الذي نصّبه الرومان ملكاً على فلسطين رغم أنف اليهود وهو عربيّ نبطيٌّ من منطقة تقع في الأردن اليوم. كان صديقاً لأنطونيو وكليوباترا، إدعى أنه يهوديّ ليمتص نقمة اليهود الناشطين والذين كانوا يعملون جاهدين لإقامة دولةٍ يهودية في فلسطين كتلك التي كانت قائمة في مرتفعات عسير في غرب الجزيرة العربية منذ حوالي عشرة قرون قبل الميلاد
لم يطمئن اليهود إلى إعتناق حيرود دينهم، ولم يقبلوا منه النسب اليهودي الذي يعتقد أنه لفقه فانتظروا اللحظة المناسبة للإنقضاض عليه، وطال انتظارهم لخوفهم من سطوته. ولما مات في السنة الرابعة قبل الميلاد وخلفه ثلاثة من أبنائه، دفع المتشددون بعض المتطرفين منهم للهجوم على مقره. وكان حيرود قد أقام قصره في الصفورية وجعل من هذه البلدة مركزاً إدارياً لمملكته. وكانت على بعد خمسة كيلومترات من مدينة الناصرة الحالية. فتدخل الرومان لحماية مليكهم حيرود وأقاموا معسكراً في الصفورية لفرض الأمن وإعادة الحياة إلى طبيعتها
الحب المستحيل
عبدالعزى بنطيرة شابٌ من صيدا وهي مدينة على الساحل الفينيقي تبعد ستين كيلومتراً عن أورشليم. من مواليد سنة 22 قبل الميلاد. إلتحق بالجيش الروماني في السنة الأولى قبل الميلاد. وقد شاءت الظروف وقتذاك أن تُستدعى كتيبته، كتيبة الرماة، إلى الصفورية في فلسطين، لقمع التمرد، والتمركز في نواحي المدينة حتى يستتبّ الأمن. وهناك في الصفورية تعرّف إلى زميل له إسمه يُحنان من الناصرة، يخدم معه في نفس الكتيبة. وكان يُحنان يدعو صديقه الصيداوي لزيارته في بيته كلما حصل هذا الأخير على مأذونية قصيرة لا تسمح له بالذهاب والإياب إلى صيدا
وقد أحبته عائلة يُحنان وكرمته، وأحسنت وفادته في كل مرة كان يزورهم، حتى صار وكأنه واحداً من أهل الدار. وكان ليُحنان قريبةٌ جميلة إسمها مريم في سن السادسة عشرة... خفق لها قلب عبدو .. فرماها بسهمه، وهو الرامي المحترف، فشغفها حباً... وبادلته حباً بحب، وكان يلتقيها في بيت يحنان صديقه. وكلما ذهبت إلى السوق يقابلها هناك. ويواعدها على عين الماء الذي يقع في أسفل الناصرة لجهة الصفورية. حتى شاعت قصتهم في الناصرة وأصبحت على كل لسان

وقد كانا يتحينان الفرص ليختليا معاً بعيداً عن الأعين ليطفئا نار الحب المشتعلة في قلبيهما. واستمرا على هذا الحال مدة ثلاث سنوات، ضاربين عرض الحائط ما يباعد بينهما.. غارقين في لجج الحبّ والغرام. إلى أن وقع لهما ما يقع للمولهين الغافلين، وحصل الأمر الذي يصعب رأبه... وحملت مريم من حبيبها عبدو الصيداوي
وهنا حدث أمرٌ جلل منعهما من الإقتران!.. ولا ندري ما هو؟ هل رفض أهلها زواجها من عبد العزى لأنه كنعاني من فينيقيا؟ أم لأنه جندي روماني؟ خاصة أن أهلها كانوا متعاطفين مع يهوذا بن حزقيا قائد التمرد اليهودي في الصفورية. أم أهله في صيدا هم الذين رفضوا أن يقترن ابنهم بفتاة يهودية؟ أم أن عبدو لم يكن جاداً في علاقته مع مريم، وكان كل ما يريده هو قضاء أوقاتاً ممتعة بصحبتها؟ كل هذه الإحتمالات قد تطرق إليها الدارسون لقصة مريم والجندي عبد العزى. لكن هناك احتمالاً آخر لم يذكره أحد، وهو أن الأوامر العسكرية قد صدرت بنقل عبد العزى على عجل إلى دمشق المقر الأساسي لفرقة الرماة التي كان يعمل فيها بعد أن استتب الأمن في فلسطين وعادت الحياة إلى سابق عهدها. وقد يكون الحمل جاء ثمرة لقائه الأخير بمريم، فالأشواق في ليلة الوداع تغلب الإرادة. وذهب عبد العزى على أمل أن يعود لخطبة مريم لكنه أبطأ في العودة، ولم يكن يعلم أنه ترك في أحشائها ما لا يحتمل الإنتظار
لم تحصل جريمة
هناك من يقول أن عبد العزى لم يقم علاقة حب مع مريم بل قام باغتصابها وكانت مخطوبة لصديقه يحنان. إذ أن عبدو جاء ذات يوم ولم يجد صديقه ودخل على مريم وكانت وحدها في الدار فقام باغتصابها. وهي رواية لا تستقيم لأسبابٍ كثيرة. أولاً لا يمكن أن يقوم بارتكاب هذه الجريمة في بيتها وهو يعلم أن أي شخص من أهلها قد يدخل عليه في أي لحظة
وثانياً كانت المنطقة تعيش في حالة طوارئ وتوتر وترقب ومطلوب منه الإنضباط وكان الجيش يعمل على استتباب الأمن فما كان يسمح له رؤساؤه في الجيش أن يرتكب الفعل الشنيع ويؤلب الأهالي ضدهم
ثالثاً عبد العزى لم يكن فرداً من عصابة بل كان متطوعاً في الجيش يخاف على وظيفته. وهو كونه غير روماني فخوفه على وضعيته مضاعف، ولا يمكنه أن يفرط بمستقبله. وكان يأمل أن يحصل على الجنسية الرومانية، وقد حصل عليها فعلاً فيما بعد، وهذا يتطلب سلوكاً حسناً يمنعه من مجرد التفكير بهكذا جريمة نكراء
رابعاً يحنانا كان صديقه، يخدم معه في الثكنة، ويراه كلّ يوم ولن يسكت أبداً على جريمة تنال من شرفه. وسيقوم برد الصاع صاعين لو كانت رواية الإغتصاب صحيحة. ولكن هذا لم يحدث، لم يحدث قيام الأهالي بالشكوى ضد جندي إعتدى على ابنتهم، لم يحدث أن مجنداً إنتقم لشرفه وشرف خطيبته من مجندٍ آخر، لأن عبد العزى استطاع أن يحافظ على سلوكٍ مثالي وأن يرتقي في سلم الرتب العسكرية لدرجة أنه عندما استشهد في ساحة الشرف في ألمانيا في معركةٍ راح فيها الآلاف من رفاقه الجنود كان هو من القلة القليلة الذين أقيم لهم نصباً تذكارياً. وهذا النصب هو الذي مكّن عبد العزى البنطيري من أن يخترق عشرين قرناً من التاريخ ويصل إلينا
ترتيبات العائلة
وكان على أهل مريم أن يجدوا حلاً لها يبعد عنهم الفضيحة، فالقانون المعمول به في مملكة حيرود هو القانون اليهودي الذي لا يتساهل أبداً مع الزانية، وعقابها هو الرجم حتى الموت. أهل الناصرة بدأوا يتكلمون عن مريم ومغامراتها مع الصيداوي. ولا بد للعائلة أن تجد مخرجاً لمريم في أسرع وقت فدبروا لها عريس الغفلة يوسف بن هالي، وهو رجلٌ مسن من بيت لحم فقير الحال يعمل نجاراً ويعيش وحيداً، بعيداً عن أهله، و لم يتزوج بعد
مريم رفضت عريسها في بادىء الأمر، وكان عندها أمل بأن يعود عبدو وينقذ الوضع لما عرفته عنه من شهامة ونبل. ثم قبلت بيوسف، تحت ضغط عائلتها، على أن لا يتم هذا الأمر في الحال. وأرادت تأخير اقترانها به كسباً للوقت بانتظار أن يعود لها حبيبها ولإبنه الجنين الذي بدأ ينبض بالحياة في أحشائها. فذهبت إلى عند خالتها إيزابيل زوجة زكريا المقيمة في قرية عين كارم في منطقة التلال قرب القدس إلى الجنوب من الناصرة لتمضي بعض الوقت بعيداً عن العيون. وجعلت تنتظر عودة حبيبها بفارغ الصبر. وقد يكون قد أرسلت له رسالة، وتنتظر منه جواباً. وكانت إيزابيل حامل هي الأخرى بنبي المسيحية يوحنا المعمدان. وبقيت مريم في عين كارم ثلاثة أشهر حتى شارفت على الولادة و لم يأتها الجواب بعد. فقررت أن ترجع إلى يوسف وتقبل به زوجاً ليحميها من المصير المشؤوم، ومن القوانين الجائرة والمجتمع الذي لا يرحم
بعد أن قبل يوسف بالزواج من مريم، أعلمته أنها حامل من غيره. وكانت صريحة معه وصادقة. وكان بإمكانها أن ترضى به زوجاً من أول الأمر، قبل أن تظهر عليها بوادر الحمل، وما كان له أن يعرف بحملها ولسارت الأمور بدون فضائح وبقيت مرفوعة الرأس أمام زوجها والمجتمع. لكنها كانت صادقة بحبها لعبد العزى وصادقة مع الرجل الذي سيصبح زوجاً لها، ولم تشأ أن تطعن رجلين بضربة واحدة، ولهذا انتظرت وسوّفت. ما كانت تريد أن تحرم عبدو من إبنه من جهة.. وتلصقه برجلٍ آخر لم يكن أباً له، من جهةٍ أخرى. ولكنها هي الآن تدفع الثمن مضاعفاً أولاً بشعورها بخيانة عبدو لها و ثانياً قبولها صاغرةً بالزواج والعيش ذليلةً في كنف عجوزٍ، علم من أمرها ما قد شاع عنها، واستغلّ محنتها. تقول المصادر أن يوسف، عندما علم بحقيقة الأمر، إستاء منها وأدرك أنها ما قبلته إلا لأنها واقعة في ورطة، وأراد أن يفسخ الخطوبة واعداً أن يحفظ السر وأن لا يعرّض مريم للخطر... لكن شبابها الغض غفر لها عنده، وسرعان ما أعاد النظر بالصفقة فبانت له رابحة فتزوجها ودخل عليها بعد أن وضعت إبنها الأول يسوع

يوسف كان قد مات بُعَيْد زواجه من مريم فخلفه أخوه وكانت عادة اليهود تقضي بأن يتزوج الرجل أرملة أخيه إذا مات ولم ينجب. فإذا أنجب الأخ الحي منها ينسب الأولاد إلى الأخ الميت وهكذا لا يضيع ذكراه. وقد أنجبت مريم من سلفها أربعة ذكور هم يعقوب ويوسف وسمعان ويهوذا وابنتان
اضطرت مريم للعمل ندّافة أي غزّالة نسيج حيناً، ونقّافة أي مزينة نسائية حيناً آخر، كي تتمكن من إعالة عائلتها وكانت فقيرة لا تملك ما يمكنها الإعتماد عليه في معيشتها. واضطر يسوع إلى السفر إلى مصر للعمل، لكسب ما يساعد أمه في تربية إخوته وأخواته، وهناك تعلّم بعض فنون السحر التي كان يتقنها السحرة في مصر وكانت رائجة في تلك الأيام ولما عاد إلى فلسطين، إشتهر بها لدرجة أن المريض إذا ساءت أحواله كان يطلب من يأتي له بوصفة يسوع بن بنطيرة
نشأ يسوع في مجتمع يهودي يولي أهمية كبيرة للأنساب، مثل العرب وكل الساميين. ولا ينسبوا الرجل منهم إلى أبيه إلا إذا كانوا متأكدين من حقيقة نسبه وإلاّ نسبوه إلى أمه، وهذا يعتبر انتقاصاً من شرفه. نجدهم في المصادر المعروفة وقد احتاروا بنسب يسوع فمنهم من قال يسوع بن مريم ومنهم من قال يسوع بن سطاطا وسطاطا لقب أعطوه لمريم ومعناه بالعربية الشطّاطة من الشطط أي الميل والإنحراف يقصدون يسوع ابن المنحرفة
وقد ورد في الكثير من المصادر أن الناس كانوا ينادونه بيسوع بن بنطيرة. واحتار المسيحيون الأوائل في تبرير هذا الإسم فمنهم من قال أن بنطيرا باليوناني يعني عذراء أي أنه ابن العذراء ومنهم من قال أن بنطيرا هو لقب والد يوسف أي أنه ابن يوسف. ثم جاء كاتب يوناني وأعطى بعض التفاصيل عن الجندي الروماني بنطيرة وقال أن اسمه هو يوليوس ولقبه بنطيرا. وظل هذا الإفتراض مرفوضاً على أساس أن كاتبه معادٍ للمسيحية حتى القرن التاسع عشر حيث عثر في ألمانيا على نصب تذكاري لجندي روماني من صيدا إسمه يوليوس طبيروس عبدز بنطيرا. التحقيقات الأولية أثبتت أن هذا الجندي صاحب الأسم الذي نسب إليه يسوع، كان فعلاً في فلسطين وسوريا حتى السنة التاسعة ميلادية في المكان المناسب والوقت المناسب لولادة يسوع. فالإتهام الذي أطلقه الكاتب اليوناني وبعض أوساط اليهود جاء من يؤكده بالإسم والزمان والمكان
لم يكن خافياً على يسوع أنه ابن بنطيرة الفينيقي من صيدا. وقد أخبرته أمه بحقيقة الأمر وكان على اتصالٍ بوالده لكنه لم يشأ أن يعلمَ أحدٌ بما كان بينه وبين أبيه وقد سجّل لنا الإنجيل إحدى زياراته إلى تخوم صور وصيدا
ثم قام من هناك ومضى إلى تخوم صور وصيدا، ودخل بيتاً وهو لا يريد أن يعلم أحد، فلم يقدر أن يختفي … الخ. مرقس 7: 24-25 الإنجيل لم يخبرنا لماذا ترك يسوع الجليل وسافر إلى منطقة صور وصيدا؟ وبيت مَن كان يعرفه يسوع ودخله بشكل سري؟ علماً بأن يسوع كما هو معروف في الأناجيل كان يتمنع عن نشر تعاليمه وخدماته الروحانية في شفاء المرضى وطرد الأرواح الشيطانية بين غير اليهود لأنه بكل بساطة كان يطالب بعرش بني إسرائيل وكان يقتصر في جولاته الإنتخابية على اليهود فقط لكسب مبايعتهم له في سعيه لانتزاع السلطة اليهودية من براثن الصدوقيين والفريسيين أعداء أهل البيت الداوُدي كما سنشرح في حلقاتٍ لاحقة. وقد تكون زيارته الأخيرة لوالده في صيدا بهدف الطلب منه أن يتوسط له لدى الرومان لمساعدته في مشروعه السياسي هذا. ويبدو أن عبد العزى وعده خيراً. وهذا ما يفسر صمت يسوع أثناء محاكمته لأنه كان ينتظر دعماً من السلطات العليا لقضيته فالتزم بضبط النفس كي لا يعقد الأمور. وهذا ما يفسر لماذ لم يسجّل ليسوع أي نشاط ضد الرومان وكان من مؤيدي سياسة روما العلمانية آنذاك في فصل الدين عن الدولة وهو القائل أعطوا لقيصر ما لقيصر وما لله لله. وهذا ما يفسر لماذا كان الوالي الروماني رؤوفاً بيسوع فقد حاول إقناع الجمهور المحتشد أمام مقره أن يسوع لا يستحق الصلب وهو بريء من التهم التي سيقت ضده وأنه مستعد لإخلاء سبيله بمناسبة العيد... ولولا تهديد الجمهور المتشنج بالتمرد والعصيان، لما وافق الوالي على تنفيذ عقوبة الصلب... وهذا ما يفسر أيضاً الصرخة الأخيرة التي ما زال يتردد صداها في الضمائر إلى اليوم.. أطلقها يسوع وهو على الصليب معبراً عن خيبة أمله: أبي أبي لماذا تركتني؟
هل كان أبو يسوع من عدلون؟
كان يسوع يعتبر أن رسالته تقتصر على بني إسرائيل. فكان يمتنع عن الكرازة بين الأمم الأخرى، كما يمتنع عن تقديم خدماته في الطب الروحاني إلى غير خراف بني إسرائيل الضالة كما كان يحلو له أن يقول. وقصته مع المرأة الفينيقية التي رفض أن يعاين ابنتها المصابة بمس الشياطين معروفة. ومع هذا فقد سافر ذات مرة مع أصحابه إلى فينيقيا، إلى تخوم صور وصيدا كما جاء في إنجيل مرقص. ليس بهدف نشر تعاليمه السمحاء فهذا واضح من الإنجيل، لا خلاف عليه. ما السبب إذاً؟ يُرجح أنها كانت زيارة ذات طابع شخصي، سرية، لمنزل أبيه الواقع على تلك التخوم . لكن أين تقع بالتحديد تلك التخوم؟
التخوم لها معنى واحد وهي الحدود. ولطالما اختلفت صور وصيدا على الحدود بينهما واتفقتا في نهاية نزاعهما أن تكون تلك الحدود على نهر القاسمية. ولهذا سموه القاسمية لأنه يقسم بين صور وصيدا تلك إذاً كانت تخوم صور وصيدا... وأقرب مكان لنهر القاسمية مأهول في تلك الأيام ومعروف كانت عدلون وكان فيها محطة رومانية يتوقف فيها المسافرون.. لا بد إذاً أن يكون يسوع قد نزل في تلك المحطة، التي كانت مكان المحطة الحالية التي أصبحت ملعب عدلون. وطلب من تلامذته أن ينتظروه جنب المحطة ودخل بيت أبيه المفترض في منطقة الخراب أو الأواصل بين الزيرة والميناء حيث كانت عدلون القديمة وكان إسمها قد بدأ يتغيّر من عُرنثون أي مدينة العصافير إلى عدنونم... وبقيت عدلون في ذلك المكان حتى نهاية القرن الثامن عشر. فهل يصح هذا الإفتراض، ويكون يسوع من عدلون!؟

يتبع