في العام 70 ميلادي قام الرومان بهجوم كاسح على معابد اليهود في أورشليم فهدموا الهيكل وقتلوا وأسروا من كان فيه وصادروا كتبهم الدينية ولما رأى ذلك الإسيون وهم فرقة دينية منشقة عن اليهود ومناهضة للوجود الروماني قاموا بإخفاء كتبهم وميراثهم الثقافي والديني في أماكن منيعة وآمنة في جبال قمران ثم رحلوا باتجاه الشمال. وظلت هذه الكتب محفوظة في أماكنها بفضل الطبيعة الصحراوية القاسية وانعدام الرطوبة مدة تسعة عشر قرناً حتى عثر عليها الرعيان بالصدفة فجمعتها الحكومة الأردنية وسلمتها إلى لجنة تأتمر بأمر الفاتيكان... يا لسخرية القدر. خبأوا الكتب كي لا يصادرها ويتلفها الرومان. وها هي بعد ألفي عام تقريباً تعود للرومان ويتسلمها في روما وريثهم الشرعي وممثلهم في هذا الزمن بابا الفتيكان! ولكن ماذا في هذه المخطوطات؟ ولماذا أخفاها الفاتيكان ستين عاماً قبل أن يسلمها إلى إسرائيل |
مخطوطات البحر الميت
الكنز
في ذات يوم من ربيع 1947م، أضاع الراعي محمد الديب من قبيلة التعامرة الفلسطينية إحدى عنزاته فذهب مع زميله محمد حماد للبحث عنها إلى أن وصلا إلى وادي قمران، ووجدا كومة من الحجارة فوق فتحة بالصخر، اعتقدا أنها بئرٌ، وعندما رميا حجراً لسبر غورها سمعا صوتا يشبه قرع الجرس، فأيقنا أن هذا البئرَ يخفي سراً يستدعي النزولَ إليه ومعاينته عن قرب. ولم يعدما الوسيلة في النزول فقام حماد بربط كوفيته مع كوفية رفيقه محمد الذيب، الذي تدلّى من خلال الفتحة، ممسكاً بإحدى الكوفيتين المربوطتين على شكل حبل، وحماد في الأعلى يقبض على الطرف الآخر حتى وصل الذيب إلى القعر، فأخبر حماد أنه في غرفة مساحتها عشرة أمتار تقريبا، ومملوءة بخوابي الفخار
تأكد المحمّدان أنهما عثرا على كنزٍ لا يُقدّرُ بثمن. فقد تحقق لهما ما كانا يسمعانه في حكايات الأقدمين من أن كنوزَ الذهب تكون مخبّأةً في خوابٍ وجرار. وعندما بدأ محمد الذيب بفتح الخوابي خابَ ظنُّه... وما كان له أن يعرفَ أنّ ما اكتشفه أهمُّ من الذهب!.. وجدَ محمد في مغارته لفائفَ من جلود الغزلان مكتوبٌ عليها بلغة لم يكن رآها من قبل، فاعتقد أنها سحرٌ دفين. فأخذ يناولُ صاحبَه ما تيسرَ له منها وخبأ في جلبابه ما أمكنه إخفاؤه... ثم خرج ونادى مع صاحبه لبعض الرعاة الذين كانوا على مقربة من موقعهما، فأخذ الرعاةُ يستكشفون الجلودَ الملفوفة ويفردونها، وعندما تأكدوا أنه سحرٌ مبين مزقوا بعضها وتركوا البعضَ الآخر مرميا في العراء
عندما عاد محمد الذيب إلى بيته أعلم أمه بالأمر فأخذت المخطوطات التي كان قد خبأها في جلبابه إلى رجل متعلم، فلم يستطعْ قراءَتها فعادت وأخذتها إلى إسكافيٍ سرياني في بيتَ لحم لعله يستفيدُ من الجلود في ترقيع الأحذية في حانوته، فوضعها في جرار المسامير ووعدها بأن يدفع ثمن الجلود عندما يجد لها تصريفاً. لكنه أخذها لأحد الرهبان. فعرف الراهبُ وهو مطران السريان الأرثوذكس قيمتها في الحال ودفع للإسكافي مبلغاً محترماً من الدنانير فقام الإسكافي بدوره ودفع لأم محمّد عشرة دنانير فقط بعد مدة شهرين!... وبعد أن ذاعت القصة واشتهرت عالميا، عاد الرعاة إلى الإسكافي غاضبين ومقهورين، فأعطاهم أربعين ديناراً، ثم تغيرت الأمورُ ولم يعدِ الإسكافي إسكافيا، وأخذت القصة منحىً آخر فحضر مندوبو دائرة الآثار ومعهم الأثري جيرالد لانكستر هاردنج الذي قضى عشرين عاما في الأردن مسؤولا عن دائرة آثارها، والباحث التوراتي الفرنسي الأب رولان ديفو مدير «مدرسة الأبحاث التوراتية الفرنسية» بالقدس. وبدأوا العمل في المنطقة، وعاد الرعيان للبحث في الكهوف فوجدوا الكثير من المخطوطات وباعوا الواحدة منها بسعرٍ يصلُ لألفي دينار أردني... أما صاحبُنا محمد الذيب، فقد أصيبَ المسكينُ بإحباطٍ شديد عندما أدرك قيمة ما اكتشفه، وأنه لم يتمكن من الإنتفاع به، فأخذ يرعى بعيدا عن باقي زملائه ولم يعد يخالطهم. وبعد احتلال عام سبعة وستين للضفة الغربية، وجد الذيب نفسه في عمان، لاجئا.. محبطا.. مكتئبا، يعاني من الفاقة، وفي نفسه تلك الحسرة التي لازمته حتى وفاته
مات محمد الديب لأنه لم يكن يجد ثمن الدواء وغلبه المرض وقتلته الغصة ولم يلتفتْ له أحدٌ ولم ينفعْه ورود إسمُه في كل الكتب والدوريات التي صدرت عن مخطوطات البحر الميت، بكل لغات العالم، بآعتباره ذلك الفتى البدوي، الذي غامر ودخل الكهف في بيداء البحر الميت، واكتشف كنوزاً هددت مصداقية أكبر الأديان في التاريخ وأذهلت العالم
مصير المخطوطات
المجموعة الأولى من المخطوطات التي آكتشفها بدو التعامرة هربت، عن طريق رجل دين، وتجمعت لدى الأثري والسياسي الإسرائيلي إيغال يدين. لكن المخطوطات التي تم كشفها عن طريق دائرة الآثار الأردنية وضعت في المتحف الفلسطيني بالقدس المعروف باسم «متحف روكفلر»، وبعد الاحتلال عام 1967، نقلت إسرائيل على الفور المخطوطات وآثار أخرى هامة إلى «متحف الكتاب» في القدس الغربية. وما زالت المخطوطات حتى الآن مثار جدل واسع، يبرز بين كل سنة وأخرى، خصوصا أن حكومات إسرائيل المتعاقبة متهمة من قبل البعض بعرقلة الكشف بشكل كامل عن مضمونها
وفي حين آعتبر باحثون ذلك، محاولة لإخفاء حقائق جديدة عن كتابة الإنجيل والديانة المسيحية والتاريخ اليهودي في فلسطين، كان باحثون إسرائيليون يبررون ذلك بأن العمل في المخطوطات لم ينتهِ بعد، أو يكتفون بالإشارة إلى ما نشره إيغال يادين من أجزاء منها، بعد أن تجمع لديه القسم الأعظم المعروف من المخطوطات، بعد آحتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام 1967م
ما تحتويه المخطوطات
يصل عدد هذه المخطوطات إلى قرابة 900 مخطوطة أكثرها مكتوبٌ باللغتين العبرية والآرامية ومخطوطة واحدة باللغة اليونانية, وتتضمن نصوصاً من التوراة، اتضح بأنها تعود إلى الفترة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والعام سبعين بعد الميلاد عندما اجتاح الجيش الروماني تلك المنطقة، قسم منها يختلف عن النصوص الموجودة في التوراة المعروفة حالياً، كما عثر فيها على نصوص موجودة في العهد الجديد الإنجيل كتبت قبل ميلاد السيد المسيح بأكثر من قرن مما سبب بلبلة في الأوساط الكنسية وسبب في تأخير ترجمة المخطوطات، وقانون مفصل لتنظيم حياة المجتمع الإسيني فريد من نوعه يشبه إلى حد بعيد قانون البعدة عند الموحين الدروز, ومخطوطة أخرى تتحدث عن حرب قادمة لم تحدث بعد بين أبناء الظلام وأبناء النور، سيرسل الله فيها ملائكته لتحارب إلى جانب أبناء النور, وينتصر فيها النور على الظلام ويستتب السلام والعدل في الأرض…. كالمعركة التي يتحدث عنها شهود يهوه أو المعركة التي سيخوضها المهدي المنتظر بعد ظهوره. وعثر على مخطوطة مكتوبة على لوح نحاسي باللغة اليونانية يتحدث كاتبها عن كنز كبير مخبأ في مكان مجهول، ويعتقد الباحثون بأن هذا الكنز هو أموال الهيكل اليهودي التي أخفيت قبل تدميره على يد الرومان، يضاف إلى ذلك عدد كبير من المستندات والرسائل الشخصية

الإسيّون
وبعد البحث والتدقيق يجمع علماء الآثار والتاريخ على أن هذه المخطوطات تعود إلى مجموعة من النساك تدعى الإسيين كانت تسكن خربة قمران في تلك الفترة, وهذه الحركة الدينية بدأت تظهر في القدس في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد بين عدة حركات أخرى أطلق عليهم إسم مشترك بالرغم من التباين الفكري بينهم ( هاشميم , الإسميين ) لأنهم جميعاً كانوا يتجنبون قول كلمة الله و يكتفون بقول هاشم، الإسم عندما يريدون ذكر كلمة الله, وكانوا مناهضين للفساد الخلقي والإنحراف الديني الذي كان سائداً بين اليهود الصدوقيين والفريسيين الذين كانوا يسيطرون آنذاك على أمور الدين والدنيا مما سبب في ابعادهم عن القدس والمدن الكبيرة الأخرى باتجاه المناطق الصحراوية

ويرجح أن تسميتهم مشتقة من الكلمة الآرامية ” أساس ” التي تحمل نفس المعنى بالعربية, وهذه التسمية ” أساسيين, أي واضعي الأسس” أختارها لاحقاً النزاريون الإسماعيليون أتباع حسن الصباح بعد أن انشقوا عن الدولة الفاطمية, ثم حورها المؤرخون المسلمون عمداً لتصبح حشاشين لما عُرف عن حسن الصباح من استعماله الحشيش مع أتباعه
يعيشون الإسينيون في المدن الصغيرة وأكثرهم يعيش في القرى, وفي بعضها يشكلون مجموعات كبيرة, ليست مبنية على أساس العرق أو النسب بل على أساس الإستقامة والصدق في المسلك والعمل والمعاملة ومحبة الآخرين
جاء في أحدى المخطوطات أن المعلم اضطر إلى الهروب واللجوء إلى أرض دمشق عندما كان الإشرار يبحثون عنه لإنزال الهلاك به. من هو هذا المعلم غير المعروف الذي يتقاطع بكثير من الصفات مع شخصية يسوع المسيح؟... ظن المسيحيون أن هذا المعلم ليس إلا يسوعهم الناصري وفرحوا كما فرح محمد الديب بكنزه أول الأمر.. و شيئاً فشيئاً مع اكتشاف المزيد من المخطوطات ومعرفة المزيد من التفاصيل خاب ظنهم وأصابهم ما أصاب التعمري من ألمٍ وحسرة على كنزٍ ضاع منه. كانوا ينتظرون أي إشارة تاريخية يمكن أن توثق وجود يسوع التاريخي لكن الأمور انقلبت عليهم ومسيحهم بقي أسطورة خارج التاريخ
العثور على نسخ عن مخطوطات قمران في دمشق تعود إلى ما قبل الفتح الإسلامي , وأخرى قرب القاهرة في مصر يعود تاريخ كتابتها إلى العصر الفاطمي يدل على أن الإسيين لم ينتهوا بعد نزوحهم من قمران ومن المرجح بأنهم انتحلوا أسماء أخرى للحفاظ على حياتهم واستمرار عقيدتهم. كما أن ذلك يدل على أن أحفاد الإسيين كانوا يعيشون في القاهرة في الفترة الفاطمية. كما أن وجود معلومات في النسخ المصرية عن مخطوطات أخرى مخبأة في دمشق يدفعنا للعودة إلى دمشق والحركة الباطنية التي كانت قوية جدأً هناك حتى القرن الثالث عشر الميلادي, حيث تم القضاء عليها على يد المماليك
معتقداتهم الدينية
, يؤمن الأسينيون بانتقال الروح من جسد لآخر, ويعيشون حياة بسيطة متواضعة, يبتعدون عن المدن, ويعملون في الزراعة والرعي ولا يتعاملون بالتجارة لأنها في رأيهم تحرض الإنسان على الغش والكذب والنفاق, ولا يعيرون أهمية للمال والحياة الدنيا. ولكنهم ينكبون ليلهم ونهارهم على طلب العلم والمعرفة وعبادة الله, وكانوا يؤمنون بأن أرواحهم هي سجينة في أجسادهم ولا يمكن تحريرها من سجنها إلا عن طريق العلم والمعرفة والطهارة الكلية, ونتيجة لتضلعهم في معرفة العلوم بشتى أنواعها اشتهروا بمهارتهم في تحضير الأدوية من النباتات والأحجار, وبقدرتهم على إشفاء المرضى, وقراءة النجوم, والتنبؤ بما سيأتي قبل حدوثه. لديهم قوانين إجتماعية خاصة بهم يتحتم على الجميع تعلمها والتقيد بها, إلى جانب قوانين أخرى للعبادة والقضاء والتمييز بين ماهو صحيح وما هو خطأ. يطبقونها في منتهى الدقة والغبطة وكأنها ولدت معهم. يؤمنون بأن الله هو المسبب لكل شيئ وجميع ما يحدث أو يقوم به الإنسان هو بمشيئة الله
 |  |
وهم يتكونون من أربع فئات حسب أعمارهم وفترة انتمائهم للجماعة, فالأعضاء الجدد مرتبتهم أخفض بكثير من مرتبة القدماء. لا يخافون من الخطر ويحتقرون الآلام وينتصرون عليها بقوة إيمانهم. ويستقبلون الموت إذا جاءهم بفخر وعزة نفس وكأنه أفضل من الحياة. لقد كانوا يموتون بإعتزاز تحت التعذيب المبرح على يد الرومان. فهم يعتقدون بأن أرواحهم لا تموت والأجساد فقط هي التي تموت. ويعتقدون كذلك بأن الروح هي سجينة في الجسد والموت يأتي ليحررها. كما أنهم يعتقدون بأنه يوجد مكان وراء البحار تجتمع فيه الأرواح الطاهرة, وهذا المكان مخصص للأرواح الطاهرة حيث ستبقى فيه إلى الأبد. أما أرواح الشريرين فتذهب إلى مكان مظلم تهزه العواصف والعذاب الأبدي
رأيهم في المرأة
ينظر الإسنيون إلى المتعة الجسدية وكأنها إثمٌ، والأتقياء منهم امتنعوا عن الزواج لأنهم يرون فيه عقبة في طريق نمط معيشتهم, ويرون بأن المرأة أنانية وغيورة, محترفة بجذب الأنظار إليها وماهرة في التمثيل ولعب الأدوار لإغراء الرجل وإيقاعه في شباكها. فهي تفعل كل ما في وسعها لإستقطاب إنتباه الرجال والسيطرة عليهم وتسييرهم في طريق الضلال. وعندما تلد الأطفال تصبح متعجرفة ومتكبرة ومنتفخة بالعظمة وفاجرة وتستخدم أساليب تؤدي إلى هدم الروابط الحميدة بين الأخوة والأصحاب, والرجل لا حول له ولا قوة, فإما أن يخضع لسلطة زوجته أو يجبر على الخضوع بسبب أولاده, ويتغاضى أو يقصر في واجباته تجاه الجماعة , ويتخلى عن حريته ويصبح عبداً

هذا ما نقله لنا فيلون الإسكندري الذي اشتهر بمعرفته الدقيقة للفرق الدينية في عصره وكتب عنها الكتب الكثيرة
. أما فلافيوس يوسفوس ( 37 ـ 100 ميلادي )المؤرخ اليهودي الذي عاش قريباً من الإسيين والتقى بهم وزارهم وقضى سنة كاملة قربهم في دير قمران فهو يؤكد موقفهم هذا من المرأة وأنهم يتجنبون الزواج ولكنهم يتبنون أبناء الآخرين في أعمار مبكرة لتعليمهم. ولا يمنعون الزواج ولكنهم مقتنعون بأن النساء متلاعبات وغير قادرات على الإلتزام برجل واحد. جدير بالذكر أن رجال الدين المسيحيين يتمنعون عن الزواج أيضاً فهل ورثوا هذه السُّنّة من الأسينيين من جملة ما أخذوه عنهم؟ وهنا يحضرني ما قاله أبو حامد الغزالي في مناظرةٍ مع راهبٍ مسيحي سأله عن تمنعه عن الزواج وحرمان نفسه من الذرية، فأجاب أنه خيرٌ للمرء أن يبقى بلا أولاد من أن يدنس روحه السامية مع امرأةٍ تجعله يلهث وراء شهواته.. فصاح به أبو حامد كيف يكون ذلك تدنيسٌ للروح وأنت تقول أن الله اتخذ ولداً من إمرأة بعد أن نفخ فيها من روحه هل أنت أطهر من ربك الذي فعلها؟
أول مجتمع إشتراكي
. الأسينيون يحتقرون الثراء, وعندما يلتحقون بالجماعة يتنازلون عن أملاكهم الخاصة من بيوتٍ وعقارٍ وقطعانٍ ويجعلونها جزء من أملاك الجماعة المشتركة. ملكية واحدة للجميع ويكتفون بما يكفي حاجتهم للعيش. فلا يوجد بينهم فقراء, كما أنه لا يوجد بينهم أغنياء. يتشاركون في كل شيئ, وعندهم صندوق مال واحد يضعون فيه إنتاجهم من المال ليستخدم في مصلحة الجماعة, ولا يهملون المرضى الذين لا يستطيعون إعالة أنفسهم, ومن صندوق المال يقدمون الدواء والعلاج لكل من يحتاجه. ويظهرون احترام كبير للمسنين, يغمرونهم بالإحترام والعناية
يعمل الإسنيون في مهنٍ فلاحية ويدوية مختلفة, يقبلون على عملهم بحماس شديد وغبطة أشد. يعملون من بزوغ الشمس حتى غروبها دون ملل أو تواني, فالعمل عندهم كالرياضة عند الرومان. ولا تفاوت في مستوى معيشتهم، يشتركون في مأكلهم وملبسهم، نفس المائدة ونفس الصحون للجميع. وخلال تناول طعامهم يجلسون برزانة وصمت تام يثير الدهشة لدى من يراهم ويرتدون جميعهم عباءة رخيصة وسميكة في الشتاء، وثوب رخيص وخفيف في الصيف ولا يتخلون عن ثوبهم أو حذائهم قبل أن يتلف
في أمورهم الإدارية ينتخب المسؤولون بالتصويت (القرعة)، ولكن لا يوجد عندهم مكاتب مخصصة لهؤولاء المسؤولين, فهم يعملون في الحقول مع الآخرين. والإسيين لا يسكنون في مكان واحد, بل موجودون في أماكن مختلفة. في كل قرية أو مدينة يكونون مجموعات تلتف حول بعضها مثل السوفوخوز أو الكولوخوز أو الكيبوتز. يستقبلون الزائرين من أماكن أخرى وكأنهم أخوة لهم حتى وإن كانوا لا يعرفونهم من قبل, لذلك فهم لا يحملون معهم طعاماً أثناء السفر لأن بيوت جماعتهم على الطريق وحيث يصلون مفتوحة لهم. ولكنهم يتسلحون ضد قطاع الطرق. ولا يبيعون أو يشترون بين بعضهم. إنهم يعطون بعضهم ويأخذون من بعضهم دون شعور بأنهم سيتقاضون أو سيدفعون أي شيئ بالمقابل،
ولا يقدمون على عمل قبل استشارة معلميهم. وهم حريصون جداً في السيطرة على غضبهم ولا يسمحون له بالظهور. وصادقون إلى حد كبير، ومنصفون في التحكيم ويقضون بين الناس بالحق. يرفضون بأن يقسموا يميناً, لأن كل كلمة ينطقون بها يجب أن تكون صدق وبمثابة يمين. وهم طلاب مثابرون في طلب العلم والمعرفة، ولا يكتفون بقراءة التوراة, بل ينكبون على دراسة العلوم الأخرى, فهم خبراء بالأمراض وما يشفيها. من الجذور والنباتات ومن الأحجار المختلفة يصنعون دواء. وهؤولاء الذين يريدون الإنضمام إلى جماعتهم لا يسمح لهم بالإلتحاق الفوري, ويتحتم عليهم الإنتظار خارج الجماعة مدة سنة كاملة، وخلال هذه السنة يعطونهم مجرفة وثوب يستخدمونه عند الإستحمام وثوب آخر أبيض. وبعد مرور سنة كاملة، يجتمع أعضاء الجماعة وينظرون في أمره, فإذا كان حسن السلوك قربوه منهم, ولكنه مازال تحت التجربة, فلا يسمح له بالدخول إلى الإجتماعات السرية لمدة سنتين, وبعد مضي ثلاث سنوات من الإمتحان, تجتمع الجماعة من جديد للبت في أمره والسماح له بالإنظمام إلى الجماعة كعضو كامل. وعندها يجب عليه أن يقسم يميناً بإن يكون صادقاً في كل ما يقول ويفعل, ويتجنب الكذب والسرقة, وأن لا يخفي إسراره عن أخوته في الجماعة
أول مذهب باطني
والإسيون كانوا يتميزون عن غيرهم على أن مذهبهم شديد السرية. يُقسِمُ المنتسبُ إلى مذهبهم بأن لا يبوح بأي سر من أسرار الجماعة للغرباء، حتى تحت ألم التعذيب والموت، وبأن لا يُظهر الكتبَ والمخطوطات التي تخصّ الجماعة للغرباء أو في حضورهم, وأن لا يبوح بأي كلمة منها وخاصة أسماء الملائكة. إسم ولي الحق عندهم يأتي بعد اسم الله, ومرتبته عالية جدأ. إذا أهان أوشتم أحدهم ولي الحق يحكمون عليه بالموت. والأعضاء اللذين يرتكبون أخطاء كبيرة يطردون من الجماعة دون رجعة
موقفهم من اليهود
كان لهم مع اليهودِ عداوةٌ وبغضاء. فالزيت المقدس الذي يستعمله اليهود للطهارة في المعبد يعتبرونه نجساً غيرَ طاهرٍ، وإذا لامس هذا الزيتُ جسد أحدهم أسرع إلى الإغتسال وتنظيف بدنه وثيابه والمحافظة عليها ناصعة البياض على الدوام
أما بالنسبة ليوم السبت، فهم يحترمونه ولا يقومون بأي عمل خلاله، حتى أنهم لا يذهبون للعبادة، يرسلون قرابين إلى المعبد ولكنهم لا يقدمونها بأنفسهم، يتجنبون الدخول إلى المعبد في أورشليم
وفي إحدى المخطوطات يسرد كاتبها قصة اعتقال الرئيس الروحي للجماعة على يد الفارسيين ووضعه في السجن وتعذيبه حتى الموت. وأعتقد بأن هذه اللغة العدائية في المخطوطات ضد الفريسيين تفسر لنا الأسباب وراء التأخير وعدم الإستمرار في ترجمة ونشر المخطوطات. فالترجمات الموجودة الآن تعود غالبيتها إلى الخمسينات والستينات قبل استيلاء إسرائيل على المخطوطات. يضاف إلى ذلك أن المخطوطات تحتوي على نصوص موجودة الآن في الإنجيل مما وضع الكنيسة المسيحية في حرج كبير، لأن هذه النصوص كتبت قبل ميلاد المسيح بأكثر من مئة عام. فكيف لها أن تكون موجودة قبل مجئ يسوع وهي في نفس الوقت من أقواله. كما أنه يوجد نصوص توراتية غير موجودة في كتاب التوراة المعروف حالياً, ونصوص أخرى مختلفة عما يقابلها في التوراة المعروفة. لهذا يمكننا الفهم بأنه هناك إتفاق غير معلن بين الباحثين اليهود والباحثين المسيحيين على السواء، بتوخي الحذر في الترجمة وعدم ترجمة ونشر كل ما جاء في المخطوطات
حوليات القرن الأول
المثير للدهشة في حوليات القرن الأول هو وجود جماعة أصولية تطبق المباديء الإشتراكية قبل ماركس بألفي عام وهي إشتراكية متقدمة تكاد أن تكون شيوعية، لكنها شيوعية مؤمنة وكانت في موقع نضالٍ ضد الإمبريالية الرومانية التي كانت علمانية. وقد سُجّل في ذلك الزمان إنطلاقة أول إنتفاضة في التاريخ وأول مقاومة مسلحة لتحرير فلسطين كانت تقوم بعمليات فدائية ضد الجيش الروماني ولكنها كانت مقاومة يهودية أما الفلسطينيون فكانوا هم حكام فلسطين مدعومين من الإمبريالية الرومانية. والملك هيرودوس أو هيرود أو بالأرامي حيرود كان فلسطينياً غير يهودي الأصل، حاول أن يجعل من فلسطين منارةً للحضارة الغربية في منطقة الشرق الأوسط كما هي إسرائيل اليوم لكنه اصطدم بالمتطرفين اليهود الذين كانوا يخوضون حربَ جهادٍ مقدس لإعلاء كلمة يهوه والعودة للشريعة التوراتية. وبعد أن تفاقم خطر الأرهابيين قام الجيش الروماني باجتياح مشابه للإجتياح الإسرائيلي للبنان الذي وصل إلى بيروت في عام إثنين وثمانين من القرن الماضي. إجتاح الجيش الروماني كل المناطق اليهودية وصولاً إلى الحي اليهودي في العاصمة أورشليم وهدم المعبد وصادر الكتب وأسر من كان فيه
 قوس تيتوس في روما يوثق الإستيلاء على بيت المقدس |
بعد هدم الهيكل وطرد من كان فيه ومصادرة أملاكهم، قام تيتوس قائد العملية العسكرية الروماني بالسماح لحاخام يهودي من الفريسيين يدعى يوحنان بن زاكاي بتأسيس مدرسة دينية جديدة لتعليم الدين اليهودي, وهذه المدرسة كانت تحت إشراف ومراقبة الرومان, حيث منعت فيها جميع المخطوطات والكتب الدينية التي تتعارض مع المصالح الرومانية, وكل ما تبقى حتى الآن من الدين اليهودي هو ما صدر عن تلك المدرسة. ويجدر بالذكر هنا أن أقدم كتب دينيه يهودية ما زالت موجودة حتى الآن وتعتبرها الطائفه اليهودية كمرجع لها تعود إلى القرن الثامن الميلادي
بعد أكثر من قرنين من هذه الأحداث في العام 325 ميلادي، قام الإمبراطور الروماني قسطنطين بعمل مماثل لاحتواء الدين المسيحي الصاعد، حيث أنه دعى إلى عقد اجتماع عام لجميع الكنائس في مدينة نيقية تحت رعايته، وفي ذلك الإجتماع تم الإعتراف بشرعية الكنيسة الرومية التي كان الإمبراطور نفسه قد ساعد على تأسيسها من قبل، وتبنى الإجتماع فكرة الثالوث المقدس الذي جعل من يسوع إبن الله، وتم الإعتراف بأربعة أناجيل من كل الأناجيل الموجودة عند المسيحيين وعددها يفوق الخمسين. وأقر في الإجتماع على أن الكنيسة الرومية هي كنيسة الدولة الرومانية، وسمح للكنائس التي وافقت على قرارات نيقية بالبقاء والإستمرار تحت مظلة الكنيسة الرومية. أما الكنائس الأخرى التي لم توافق على قرارات نيقية وعلى رأسها الكنيسة العريانيه فقد منعت داخل حدود الدولة الرومانية، واحرقت الأناجيل التي لم يعترف بها الإجتماع، وحكم بالموت على كل من يضبط عنده نسخ منها
إذاً، ما هو موجود الآن من العهدين القديم والجديد، هو فقط ما سمح له الرومان بالبقاء على قيد الحياة. لهذا السبب تعتبر مخطوطات البحر الميت على قدر كبير من الأهمية, لأن القسم الأكبر منها كتب قبل ميلاد السيد المسيح, وبعضها كتب أثناء فترة حياته, وبقيت محفوظة دون أن تصلها أيدي الرومان والفريسيين، فهي تحتوي على نصوص توراتية غير معروفة من قبل، وأخرى تختلف عما هو معروف، كما أنها تعطي صورة حقيقية لتلك الفترة المهمة في تاريخ اليهودية والمسيحية على السواء، وتضع إشارات استفهام حول أمور كثيرة ما زالت تنتظر تفسيراً لها.
يتبع