في هذه الحلقة من البحث عن يسوع كنا قد عزمنا على الحديث عن شخصية يسوع كما رسمتها لنا الأناجيل، وبدأنا بذكر طباعه التي بدت لنا في بعض الأحيان في غاية القساوة ولتبيان ذلك كان لا بد من ذكر قصته مع المرأة الكنعانية. هذه القصة التي شغلتني كثيراً أول عهدي بالإنجيل فأحببت أن أعطيها حقها من هذا البحث لأنها كانت الدافع لي لأن أتعرف أكثر على يسوع المسيح وتعاليم المسيحية. ورغم أن على الباحث التزام الموضوعية والوقوف على الحياد في القضايا التي يعالجها إلا أني لم أستطع أن أمنع نفسي عن اتخاذ موقف الدفاع عن هذه المرأة وعن قومها لأني أعتقد إذا صحت رواية الإنجيل أنها من عدلون أو من منطقة عدلون. وإذا لم تصح رواية الإنجيل فإن الأشخاص الذين ألفوا الإنجيل افتروا علينا في كنابٍ هو الأشهر والأكثر انتشاراً على مر العصور فكان لا بد من تصويب |
المرأة العظيمة
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ إذاعة الأرض والإنسان عبر الأنترنت |
أول سنوات الدراسة في باريس، استرعى انتباهي مرّةً، في حرم الجامعة مبشرٌ مسيحيٌ يعرض على الطلاب كتباً ويدعوهم لإتباع السيد المسيح إله المحبة والسلام! فأعطاني نسخة من الكتاب المقدس الذي يجمع الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ما زلت أحتفظ به حتى الآن وأعتمده في بحثي هذا عن يسوع. أراد هذا المبشر ممازحتي فقال وهو يعطيني كتابه المقدس أن قراءته ستغيّر مجرى حياتي وتنقذني من رتابة الكتب العلمية الجافة التي نقرأها في الجامعة فأجبته رداً على مزحه كيف تكون جافة ونحن ندرس الكيمياء وهو علمٌ يُعنى بالمحاليل السائلة؟ وندرس الفيزياء وفيها علم الهيدروليك وميكانيك السوائل؟ فاستدرك قائلاً أنه يقصد أن الكتب العلمية تفتقد للروحانية فقلت له أما بهذا فقد أصبت، فليس هناك شيءٌ في العلم اسمه الروح، وليس هذا قصوراً في العلم إنما هي الحقيقة كما أنه ليس هناك في العلم شيء اسمه سماء، هناك فضاء ولكن ليس هناك سماء. وأنتم المسيحيون عندما تقولون سماء تقصدون الله وعندما تقولون روح تقصدون الإنسان. وعندما يموت الإنسان تقولون أن روحه صعدت إلى السماء، فليس هناك روح وليس هناك سماء وما تقولونه لا يعني شيئاً بميزان العلم. نظر إليّ نظرة المستنكر لما أقول فتابعت قولي، وهذا ليس مني أنا فهذه مكتبة الجامعة أدخل وقلب كل الكتب فلن تجد تعريفاً للروح ولن تجد تعريفاً للسماء في أي علمٍ من العلوم!
فسألني ما هو الفرق إذاً بين الحي والميّت إذا لم يكن هناك روح، قلت إن العلم يقول أن الحياة هي عمليات تفاعل كيميائية في الجسم الحي يمكننا معرفتها بدقة وقياسها والتأثير عليها، والموت هو توقف هذه التفاعلات لا أكثر ولا أقل.
وأنا أقلّب ما بين يديه من كتبٍ دعوية ودعائية، قلت له: أرى أن الإقبال عليك خفيفٌ للغاية أليس من الأفضل أن تذهب إلى مكان يقلّ فيه المستوى العلمي عما تجده هنا؟ وجد في كلامي شيئاً من الإستخفاف فأجابني متحدياً: الآخرون هم الذين يأتون إلينا ولا داعٍ للذهاب إليهم، أما هنا فعلينا أن نبذل جهداً ولكننا نعرف من أين تؤكل الكتف. لم أشأ أن أطيل المحادثة فأخذت منه الإنجيل ثم ودعته وتركته يكرز بين طلاب لا يعيرون أي أهميه للبضاعة التي يروج لها... وبعد مدة، وفي وقت فراغ، تناولت الأنجيل الذي قد يغيّر مجرى حياتي كما قال المبشر، وجعلتُ أقلبُ صفحاته لعلّي أظفر ببعض النفحات الروحية كما نصحني. ولما وصلت إلى مقطع أو إصحاح المرأة السورية الفينيقية في إنجيل مرقس أو الكنعانية في إنجيل متى أصبت بصدمة أعقبها ذهول طويل وأنا لا أصدق ماذا أقرأ! هرعت إلى صديقٍ مسيحيٍّ طالباً منه أن يشرح لي القصة، فنصحني بأن أطرح الكتاب جانباً وأن أتوقف عن قراءة ترّهاته. كان كافياً ذلك النص لأن أرفض المسيحية من أساسها وهذا بحد ذاته تغييراً في مجرى حياتي، فكم كان صادقاً ذلك المبشر المسكين... واليوم في بحثي هذا عن شخصية يسوع أحببت أن أعود لهذه القصة لأبدأ منها في عرضٍ لبعض الجوانب الملتبسة في تلك الشخصية التي رسمها لنا الإنجيل لتكون الشخصية الأمثل في تاريخ البشرية، على أن أتابع في الحلقة القادمة بقية ما استتر منها. هذا النص مأخوذ من الإصحاح الخامس عشر من إنجيل متى:

21وخرَجَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ وجاءَ إلى نواحي صورَ وصيدا. 22فأَقبلَتْ إلَيهِ اَمرأةٌ كَنْعانِـيّةٌ مِنْ تِلكَ البلادِ وصاحَتِ: "اَرْحَمني، يا سيَّدي، يا اَبن داودَ! اَبنتي فيها شَيطانٌ، ويُعذَّبُها كثيرًا".
فما كان رد المعلّم الذي جاء ليخلص البشرية من آلامها ويفتديها بنفسه؟
فما أجابَها يَسوعُ بكَلِمَةٍ!
هذا درس أخلاقي من دروس النبوة أو الألوهية تمهيدي في كيفية إغاثة الملهوفين من الغرباء الأغيار أي غير اليهود الذين لا يستحقون حتى أن يقال لهم كلمة الرفض أو النهر، أو أن يلتفت إليهم... يلي هذا الدرس بعده مباشرةً دروسٌ أقوى وأشمل... هذه المرأة التعيسة, ككل أم منكوبة بفلذة كبدها, لم تيأس من السعي لإقناعه بكل ما تملك حتى يشفي ابنتها فبدأت بالصراخ والعويل، متضرّعةً إليه أن يشفي ابنتها المسكينة، مما استدعى تدخل تلاميذه الرحماء في ما بينهم الأشداء على الغوييم:
فَدنا تلاميذُهُ وتَوَسَّلوا إلَيهِ
للوهلة الأولى يظن قارئ الإنجيل كتاب الله المقدس، بان تلاميذ السيد يسوع وحواريوه يتوسلون إليه لمساعد المرأة المسكينة... لكننا نفاجأ بقصدهم من التوسل :
فَدنا تلاميذُهُ وتَوَسَّلوا إلَيهِ بقولِهِم: "اَصرِفْها عنّا، لأنَّها تَتبَعُنا بِصياحِها!"
درس أخلاقي جديد في كيفية معاملة المستغيثين من الغوييم غير الإسرائيليين. وهذه المرة من تلاميذ السيد المعلم، المتخرجين من المدرسة اليسوعية .. المقربين منه والعارفين ببواطن الأمور.
فأجابَهُم يَسوعُ: "ما أرسلَني الله إلاّ إلى الخِرافِ الضّالَّةِ مِنْ بَني إِسرائيلَ".
المسيح يطمئن تلاميذه أن لا تخافوا فانا لم يرسلني الله للكنعانيين أو غيرهم .. إن رسالتي محصورة فقط بالخراف الضالة من بني إسرائيل .. هذا كلام مسؤول وإعلان قاطع من قبل السيد المسيح يعني بكل وضوح، أن الله لم يرسله رحمةً للعالمين.
25ولكنَّ المرأةَ جاءَتْ فسَجَدَتْ لَه وقالَت: "ساعِدْني، يا سيَّدي!"
المرأة المسكينة وبدافع من عاطفة الأمومة وهي من أنبل وأقوى العواطف الإنسانية سجدت للسيد المسيح ليس عبادة له مثلما يفعل أتباعه، ولكن من اجل ابنتها. فماذا كانت استجابة السيد المسيح رسول المحبة والتسامح؟ .. إن الإنسان السوي الذي لا يزال يملك عقله ولم تلغه الترهات والخرافات يصعقُ ولا شك في ذلك من شدة الكراهية والعنصرية الشوفينية السادية والتلذذ باحتقار البشر التي استجاب بها السيد المسيح لتلك المرأة البائسة .
26فأجابَها: "لا يَجوزُ أنْ يُؤخذَ خُبزُ البَنينَ ويُرمى إلى الكِلابِ".
أي نبي هذا!؟.. و أي إله هذا!؟ الذي ينعت المستغيثين به من غير بني قومه بالكلاب؟ .. جوابه هذا أشدّ وأقسى وأجلف من السابق وأكثر إيلاما من امتناعه عن شفاء تلك البنت المسكينة الكلبة بنت الكلاب كما يصفها هي وقومها, وهو وان كان عدواً للشياطين وللأرواح النجسة إلا انه يقف على الحياد حيال ما تقوم به تلك الشياطين والأرواح النجسة في جسد الطفلة الفينيقية المسكينة التي تتألم وتتألم أمها معها والتي يجب أن تستمرّ في آلامها فقط لأنها غير يهودية فابن الله الذي جاء ليحمل آلام البشر لا شأن له بغير خراف بيت إسرائيل الضالة!
لا غرابة في ذلك .. انه فعلاً يهوه بذاته .. بشحمه ولحمه .. وما كذبت نظرية التثليث! الخبز هنا هو كرامات السيد المسيح الخاصة بالبنين من أبناء الأسرة الإلهية المقدسة المتكونة من الله وأبنائه من بنى إسرائيل ولا احد آخر من غير شعبه المختار وهذا النص لا يترك أي مجال للتأويلات البائسة من قبل بعض الكهنة التعيسين الذين يحاولون عبثا إقناع أنفسهم ومن تبعهم من بسطاء الناس مستغلين ورعهم وميولهم الروحية الفطرية بان الكلاب هم الكافرون فقط من خلال ليّ الكلمات والجمل والعبارات وتحميلها من المعاني ما لا تحتمل.. إن أي محاولات من هذا النوع هي عبارة عن هرطقة ومماحكة خارجة عن الموضوع ... المسيح هنا وبكل وضوح يصنف المخلوقات إلى نوعين هما:
1) أبناء الله (شعب إسرائيل)
2) الكلاب (بقية البشر)
جدير بالملاحظة أن وصف الناس بالكلاب كانت أكبر إهانة عند اليهود في ذلك الزمان.
المشهد لم ينتهِ هنا؟ فالمرأة تتلوى ألماً جراء ما تعانيه ابنتها فتأتي بفكرة لعلها تقنعه، فتخاطبه مرة أخرى:
27فقالَت لَه المَرأةُ: "نَعم، يا سيَّدي! حتَّى الكلابُ تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الذي يَتَساقَطُ عَنْ موائدِ أصحابِها".
المرأة المسكينة تستميت من اجل ابنتها .. ولسان حالها يقول " من اجل انقاذ ابنتي فلذة كبدي أقبل أن أكون في مرتبة الكلاب وأقل من الكلاب، وطالبته بحقها ككلبة جائعة ترضى بفتات وقمامة أسيادها مما يتساقط من موائدهم من فضلات! وتتابع الآية اللئيمة التي هي وحي يهوه الذي أملاه على عبده اليوناني متى صاحب الإنجيل المنسوب له:
28فأجابَها يَسوعُ: "ما أعظَمَ إيمانَكِ، يا اَمرأةُ! فلْيكُنْ لَكِ ما تُريدينَ". فشُفِيَت اَبنَتُها مِنْ تِلكَ السّاعةِ
وهنا يتهلل وجه يسوع مشرقاً وفرحاً لأنه استطاع أن ينتزع من تلك المرأة المسكينة غير اليهودية هذا الاعتراف العظيم بأنها كلبة وبنت ستين كلب! فيقول لها عظيم إيمانك يا امرأة. هذا هو الهدف .. وهذا هو المغزى.. وهذه هي العبرة .. وهذا هو منتهى الإيمان بيسوع ابن إسرائيل البار وهذه هي خلاصة رسالة المسيح: أن يؤمن الأغيار "الغوييم" أي الأمم من غير اليهود بان اليهود هم أبناء الله وشعبه المختار وأن بقية البشر عبارة عن حيوانات سخرها الله لخدمة اليهود .
أيّ أيمانٍ هذا يا يسوع الذي تتحدث عنه، يبدو أنك لم تفقه ما فعلته هذه الأم، إنه حب الأم لابنتها المريضة هذا الذي غاب عنك يا إله المحبة والرحمة يا من تحمل أوزار الناس وآلامهم... وتظنه إيمانٌ بك أو بأبيك يهوه إله إسرائيل وعدو الأمم؟ إذا كنت تعتقد أن هذه المرأة آمنت بك يا بن داوُد تكون فعلاً قد غابت عنك أشياءُ... كان بإمكانها أن تؤمن بضرّاب الطبل لو شكت للحظة أن باستطاعته إنقاذ ابنتها... والحقَّ أقولُ لك لو كنت فعلاً تعرف محبة الأم لأبنائها لما طردت أمك ذات يوم عندما جاءت تبحث عنك وتنكرت لها قائلاً من أمي ومن إخوتي؟ ألست أنت من قال إِنِّي جِئْتُ لأَجْعَلَ الإِنْسَانَ عَلَى خِلاَفٍ مَعَ أَبِيهِ، وَالْبِنْتَ مَعَ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ مَعَ حَمَاتِهَا إذاً كيف لك أن تتفهم تضحية الأم لأجل ابنتها وأنت تضمر لهما شرّ الخلاف؟ أردتَ أن تذلَّ هذه المرأة لكنها كانت فعلاً عظيمة.. إستطاعت بعاطفة الأمومة التى هي أنبل ظاهرة بشرية أن تلوي ذراعك وتثنيك عما جُبلتَ عليه وتعيد إليك بعض إنسانيتك يا بن الإنسان... كانت فعلاً عظيمة عندما كسرت القاعدة التي سنيتها لنفسك ولشلة التلاميذ من حولك. ألست من أوصاهم وقال: إلى طريق الأمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا.
نحن نرجح أن المرأة الفينيقية التي نتحدث عنها هي من عرنثون أي عدلون القديمة كما شرحنا في العمود المقابل أي من المدينة التي أنتمي لها، وإن لم تكن من نفس المدينة فهي بالتأكيد، إن صحت رواية الإنجيل، من نفس المنطقة التي أنتمي لها، هي إذاً من أجدادي وبيننا وبينها ثمانون جيلاً فقط. إنها من أجدادنا الفينيقيين الكنعانيين الذين نفخر بانتمائنا إليهم. ونعتقد أنهم كانوا شعباً خلاّقاً جابوا الدنيا من أقصاها إلى أقصاها وعاشوا بسلام وانسجام مع كل شعوب المنطقة وكانوا محطّ احترام وتقدير من الممالك والدول التي حكمت المنطقة من فراعنة وبابليين ويونان... أما أن يأتي هذا اليهودي المطالب بعرش جده المشكوك به أصلاً ويصفنا بالكلاب في أكثر الكتب انتشاراً في العالم. فهذا ما لا نرضاه وسنفنّد كل ما جاء به.
يتبع